أضغاث أوهام (قصة قصيرة)
صوت الأخدود - « بقلم: محمد أحمد هليل - نجران » - 30 / 11 / 2011 م - 1:11 ص

كعادته عند سفره لهذا المكان لم ينم ليلة السفر بل ظل متيقظاً طِيلة لَيله والنوم يداعبه, ولكنه يعرف طبيعته فلم ينم تلك الليلة حتي أذن المؤذن لصلاة الفجر وهنا بدأت رحلته وحَزَمَ أمتعته وخرج من منزله متوكلا علي الله  ، ذهب لأقرب مسجد وصلي الفجر وخرج ليُكمل مشوار العذاب!!!

حقا إنه لمشوار عذاب، ثلاثمائة كيلومتر هي المسافة الفاصلة بين مكان إقامته والبلدة المنشودة، ركب سيارته وكُله أمل في أن يقطع اكبر قدر من مسافة السفر قبل شروق الشمس فسرعان ما بدأ ضوء الشمس يضئ الأرجاء من حوله، وبدأت الشمس تشرق رويداً رويداً إلي أن أظلت علي الرمال الصفراء بأشعتها الذهبية، ينظر عن يمينه فيري صحراء لا يُحدد مداها بنظره وينظر عن يساره فإذا هي أيضا صحراء كالتي عن يمينه فيختلس نظرة لأعلي في السماء فَتَردَعهُ الشمس بحراراتها ووهجها فيعاود النظر أمامه لِيَتَفَحَص الطريق من الجِمال التي هي والرمال سواء فلونها الذهبي أضفي علي الصحراء جمالا كأنها خرجت من الرمال أو كأنها الرمال..

وإذا بروعة المنظر تلفت انتباهه فيري مالم تري عيناه من قبل إذا بجبال من الرمال حدها كالسيف فسبحان من أبدع، ينظر إلي تلك الجبال الرملية فيري ويكأن رَذاذاً يتطاير فوق حدها إنها ذرات الرمال التي يَعبثُ بها الهواء، الرمال كالأمواج في البحر.

لا تري أثر قدمٍ عليها بل تراها قطعة واحدة لم يستطع أحد ان يجاري فضوله ليستكشف هذه الصحراء لأنه يعلم أنه لو تجاوب مع فضوله وحاول استكشاف رمال الصحراء فربما غرق فيها فصديقنا لا يجيد السباحة في الرمال.

أَجهدهُ طول السفر وحرارة الشمس وعدم نومه فبحث عن مكان يريح فيه جسده فلم يجد ولا يستطيع ان يقف بسيارته علي جانب الطريق نظرا لخطورة الطريق ولو انحدر عن الطريق الممهد لربما غرق وسيارته في بحر الرمال.

تماسك نفسه وقطع ثلاثة أرباع مسافة سفره وإذا به يجد أملاً في أن يريح جسده، إنها محطة التزود بالوقود «ولا يعلم ما يخفيه القدر عنه» ولم يتبقي علي وصوله للمدينة المنشودة إلا ربع المسافة إلا أن جهده خَانَهُ في السير فلم يعد يستطيع السير إلا بعد أن يريح جسده. استعاد قليلا من نشاطه واتجه صُوب المحطة وإذا بعينيه تقع علي عداد الوقود فإذا به يخبره بأنه لا يوجد من الوقود ما يكفيه لمواصلة الرحلة.
اتجه إلي المكان المخصص للتزود بالوقود فإذا العمل يفاجئه بقوله: معذرة يا أستاذ فالوقود قد نفذ .!!!!
هنا عَلَت علي وجهه ألف علامة وعلامة تعجب وذهول، وفي ثوان معدودة دار بينه وبين نفسه حوارا فقال في نفسه: ياللهول !! الحمد لله أنني وجدت هذه المحطة قبل نفاذ الوقود من سيارتي، ولكن سرعان ماتذكر أن الوقود في المحطة قد نفذ ، هنا شعر وكأن الظلام حل وكأنه وصل إلي مثواه الاخير، ولكن بادر العامل بسؤاله: متي سيأتي الوقود إلي هنا؟
قال العامل: إلي أن يأذن الله يا سيدي.. (أجاب في لهجة أشعرت صديقنا أن الوقود لن يأتي اليوم).

هنا شعر بضيق في صدره وقرر الاستسلام للأمر الواقع وارتكن إلي مكان في المحطة لا تصل أشعة الشمس إليه وركن بسيارته وأخذ يفكر ويفكر ماذا أفعل؟؟
وإذا بعينيه تنظر في مرآة السيارة ليري شيئا عجيبا مُرِيباً، تَسَرَبَ الخوفُ في نفسه لِهَولِ ما رآه فينظر أمامه لبُرهة فيجد الشمس ساطعة والأشعة تحول دون نظره في السماء ويختلس النظر في المرآة فيجد مايجعله يَفرُك في عينيه بعنف.. إنه الظلاااام!!
تسائل في نفسه ماذا يحدث؟ وأين أنا؟ ليجد نفسه وحيدا في المحطة ولا يوجد أحداً غيره, كيف هذا وقد كانت المحطة يَجُوبُهَا الكثير من الناس؟ وسرعان ما خَيَمَ الظلام علي المكان وصديقنا في دهشة من أمر ما يحدث.

وفي تلك الأحداث الغريبة العجيبة المريبة يسمع أصوات البرق والرعد ويري بعينيه شدة الهواء فإذا بيده علي الفور تذهب إلي مفتاح السيارة لإدارة المحرك وهنا تكون الصدمة!!

السيارة لا تعمل وإذا بأنوار السيارة أيضا لا تُضئ، وإذا به يري فجأة أن شخصا ما ملثما ضخم الجثة يتجه نحوه بسرعة فإذا به يغلق زجاج نافذة السيارة فلا ينغلق، ويسرع الملثم تجاه صديقنا فوصل إليه في طرفة عين ويدخل يديه داخل السيارة ليُخرجه منها ويصدر أصواتا غريبة!! إنها ليست أصواتا بشرية ، لم يعتد أحد قبل علي سماعها ويحاول صديقنا مقاومة الملثم إلا ان محاولاته باءت بالفشل إلي أن تمكن الملثم من إحكام قبضته عليه وتزداد المقاومة بين الطرفين وإذا بصديقنا يصل إلي سَمعهِ أصواتا بشرية تهمس في أُذنه بصوت خافت: الله أكبر الله اكبر ,, لا إله إلا الله...

فيقول بصوت عال إنني اعرف هذا الصوت إنه صوت المؤذن، إنها كلمات الآذان وأمسك الملثم وجهه وقام بإخراجه من السيارة وكأنه شُلت أطرافه لا يستطيع الحركة  ولم تعد لديه قدرة علي المقاومة. وإذا بملثمَين آخَرَين يَهرعون إلي صديقهم وأخذ أحدهم وأمسك كتف صديقنا بقوة وعنف وهو لا يحرك ساكنا ولم يجد مايقوله غير: من أنتم؟ ماذا تريدون مني؟!! وهنا أبصر شعاعا من النور ففتح كلتا عينينه وانتفض جسده ليجد عامل المحطة يقول له: سيدي سيدي ماذا بك؟ استيقظ لقد أحضرنا الوقود... فأيقن أن ما مضي كان كابوسا مزعجا وقال للعامل: كم الساعة الآن؟ أجاب العامل: إنها الواحدة بعد الظهر، لقد أذن الظهر يا سيدي.

قال متعجبا: لقد غلبني النوم لاكثر من أربع ساعات، ثم توضأ وصلي الظهر واستعاد نشاطه مجددا وملأ سيارته بالوقود ثم انطلق في طريقه ليصل بعد ساعة إلي المدينة المنشودة ليجد ما كاد أن يُذهب عقله ويصاب بالجنون!!!
يجد أن الظلام قد أحاطه من جميع جوانبه ويجد المدينة وقد خَيَمَ عليها الدمار والخراب، تحرك بسيارته ببطئ شديد  وأخذ يشاهد ما أجن عقله. رأي جثثا مطروحة علي الأرض وأخري معلقة علي أعمدة الإنارة ودخان يَحُومُ فوق الأرض ويُصدَم حين يري رجلا ملثما «كالذي انقض عليه في كابوسه» يطارد رجلا من أهل المدينة أُصيب بذهول من هَولِ ما رآه ليبادر نفسه بسؤال: لماذا يُكمل سيره؟ ولماذا لم يعد بأدراجه خارجا من المدينة؟ أخذ قرارا بالعودة ولكن لا مجال ولا مفر لقد توقف محرك السيارة!!!

وسرعان ما أحاط به الملثمِين من خلف السيارة فانتظر فرصة وفتح باب السيارة بهدوء وقلبُه يكاد يزلزل أرجاء المدينة من الخوف والهلع والرعب حتي استطاع الهروب وأخذ يركض ويركض وإذا به يري منزلا فهرع إليه فوجد بابه مفتوح فدخل المنزل وأغلق الباب بهدوء والإضاءة بالمنزل خافتة وهادئة تتيح الرؤيا ولا تعيق الحركة.

وأخذ يتفقد غرف المنزل غرفة تلو الأخري متأملا في أن يجد أحد من جنسه وإذا به يسمع أصواتا لاستغاثة مخنوقة فتتبع الصوت إلي أن اهتدي لمكان الصوت وإذا به يجد صبيا مُكَبَل اليدين والقدمين فهرع إلي الطفل ففك وثاقة وإذا بالطفل يطلب الغوث من صديقنا ولا يعلم ان صديقنا يحتاج إلي من ينجده!!
أخذ يسأل الطفل ماذا حدث ؟ وأين أهلك ؟ ومن هؤلاء الملثمون؟ وماذا يريدون؟
حَلَقَ الصبي ببصره خلف المُنقذ ويُصاب بالذهول والدهشة ويقف صامتا لا يتحدث ولا يتنفس وإذا به يسقط مغشيا عليه بين يدي المُنقذ، انتبه صديقنا لنظرات الصبي قبل سقوطه مغشيا عليه لَيشعُر أن شيئا ما قد أفقد الطفل توازنه فسقط. وإذا بالرجل يلتفت خلفه ببطئ شديد ويكاد يسقط مغشيا عليه هو الآخر لما رأي من وجود ثلاثة رجال ملثمين يقفون خلفه فإذا به يُبصِر نافذة في الغرفة وبدون تفكير هَروَلَ تجاهها ليجد ما يفوق الخيال!!
إنه في منزل فوق جبل شاهق الإرتفاع ودار بينه وبين نفسه حديثا للحظات ماذا أفعل؟ أأستسلم؟ أم أقفذ من هنا؟!!
قرار مصيري لا بد من اتخاذه سريعا!!!
قرر أن يقفذ من النافذة ليصل إلي مجهول ارتأي له أنه أكثر واقعية مما ينتظره خلفه، صعد علي النافذة ثم قفز من النافذة.
وبعد قفزه أَحَس أن ما كان ينتظره من خلفه أهون عليه من قفزه من النافذة!!!
بعد قفزه أصبح الوقت لا يمضي كما كان بل كان مُضي الوقت بطيئا جدا فلا يدري ماذا يحدث ولا إلي أين هو ذاهب. المكان مظلم جدا فلا يكاد يري يديه وفجأة يري أن القمر والنجوم أسفل منه! ما هذا؟ ماذا يحدث؟ أأسقط لأعلي؟!
القمر والنجوم والسماء دائما تكون أعلي وأعلي ننظر إلي أعلي ونحن علي الأرض فنري القمر والسماء والنجوم، الوضوع هنا مختلف، كيف هذا؟!! إلي أين أنا ذاهب؟ أبين سماء وسماء أنا؟!!
وفجأة يري أمامه بئرا من الماء! 

فيسبح في الهواء إلي أن وصل إلي البئر فرأي في البئر مصباحا يطفو علي الماء وشعلته تضئ جنبات البئر.
شعر بأن نزوله إلي البئر هو الوسيلة الأخيرة للنجاة إما أن ينجو وإما أن يغرق فيموت ويصل إلي ما هو أفضل مما هو فيه. فقرر ان يقفز في البئر فقفز.. ولكنها ليست كقفزته من النافذة إنه يسقط بسرعة كبيرة جدا إلي أن وصل إلي سطح الماء فنزل إلي اعماق الماء علي قدر إندفاعه في السقوط ليسمع أصواتا لا يُميزُها أهي اصوات بشرية؟ أم أصوات حيوانات؟ لا يدري.. ثم أصبح علي سطح الماء وأخذ يجفف الماء من علي وجهه بيديه المُبتلتَين ويحاول أن يفتح عينيه واتضح معالم الصوت الذي سمعه.
إنها أصوات تشبه صوت البشر!! إنه صوت زوجتي...
استراح قلبه لهذا الصوت يفتح عيناه بصعوبة ليري أمامه زوجته واقفة تخبره بأنه حان وقت استيقاظه للاستعداد لبدء يوم جديد..
نهض فَزِعَاً وعلي وجهه علامات استعجاب أذهلت زوجته بعد أن سألها: أحقيقة ما أنا فيه الآن؟
نظرت إليه وقالت له: قم يا رجل ستتأخر علي موعد العمل.
فيشك في نفسه أنه قد وصل إلي الحياة الطبيعية وشعر أن الملثم ما زال يطارده بعد أن وجد قطرات من الماء تتساقط علي خديه،
صاح في زوجته وقال لها: لقد سقطت في البئر!
لقد سقطت في البئر..
قالت زوجته: أي بئر يا رجل تتحدث عنه؟!!
قال: من أين جاء الماء علي وجهي؟!!
قالت: هذا الماء التي علي وجهك أنا من أيقظتك بها حتي لا تتأخر علي عملك.
لم يتأكد صديقنا من عودته سالما بعد رحلته المرعبة حتي الآن... بادر زوجته بسؤاله عن سيارته..  تعجبت المرأة من سؤاله
وقالت له: أي سيارة يا رجل؟
أجاب: سيارتي !  
ضحكت المرأة بصوت عال وقالت له:
قم يا رجل واترك أوهامك وأحلامك علي فراشك وأسرع لتدرك القطار حتي لا تتأخر علي العمل..
هنا بدأ يفيق صديقنا من نومه وأيقن أنه كان في رحلة مع أوهامه وأحلامه...
ثم انتفض من فراشه ليبدأ رحلته ومعاناته الحقيقية، ويسرع حتي لا يتأخر علي موعد القطار تاركا سيارته في أحلامه للملثم ليستطيع أن يُكمِلَ الرحلة مكانه.

محمد أحمد هليل - نجران

اضف هذا الموضوع الى:
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3327228