الـتـشـهـد الأخـيـر
(قصة قصيرة)
صوت الأخدود - « يحيى آل منصور » - 25 / 8 / 2011 م - 2:26 م

كأن الجميع كان ينظر إلى قلبي؛ يقرأ من أنا قبل أن اقدم نفسي إليهم، يخنقني التوتر؛ وأمامي ثلاثة أشخاص اترقب الغدر في أعينهم، اتتبع حركات أناملهم وهي تتصفح نسخاً من سيرتي الذاتية.
كيف لهذا الانتماء أن يكون عبئاً عليّ في هذه الحياة ؟!
لحظة !
أحدهم يزم شفتيه ، يبدو أنه قد قرأ اسمي !

تسرقني من واقع تلك اللحظات رؤية شيخ ٍطاعن ٍ في السن خرج منذ الفجر، لم ينم ليلته تلك.. تراوده أحلام الكفاف بغية أن يحققها له مستقبل ابنه الوحيد. وقف وحيداً في لهيب الشمس لا يحمله الحياء على مشاركة مرتادي السوق في رفع الصوت لإخبارهم أن لديه خروفاً يفتدي أسرة يتربص بها الفقر. لم يجادل كثيراً لأول شخص توقف أمامه وسأله: «بـ كم الخروف يا عم؟».
كان قد تناهى إلى أسماعه أسعار من حوله ولكن لم يكن في ذهنه لحظتها سوى رقماً واحدا ً فقط (570) هي قيمة تذكرة ذهاب وعودة من جدة إلى الرياض.

يدور الكرسي وأنا استرجع هذا الشريط في ذهني، وأعاتب نفسي على تلك المكالمة التي ما تجرأت عليها حتى أرقت الكثير من ماء وجهي بين يدي من هم أكثر حاجة مني لمثل هذا المبلغ، وكان يكفيني من أي شخص أن يقول: يا أبو علي ابشر لكن انتظرني يومين أدبرها لك.

كنت اعتقد أن يومين هي فارق زمني قاتل قد يقذف بكل أحلامي حول ذلك المستقبل الذي أشرقت أولى ملامحه في عيني حالما قرأت الإعلان في الجريدة «تعلن شركة سعودية عن حاجتها لمهندس كيميائي حديث التخرج».. لم يكن في ذلك الإعلان أي طيف للحية تمتد حتى السر تقلب أوراقي أمامي وتزفر بين الصفحة والأخرى وكأنها تقرأ تاريخ عقيدتي لا تاريخ اجتهادي الدراسي.

يتململ الآخر في كرسيه ويمسك بهاتفه المحمول يرد على مكالمة واردة بصوت بشوش، وأتذكر صوت والدي وهو يتصل بي؛ ليخبرني عن تحويله قيمة التذاكر، كيف أوقف شخصاً بجانبه واخرج من جيبه ورقة ذابلة يحفظها بين كل أوراقه، ليقرأ رقمي الذي لا يحفظ من الأرقام غيره في تلك المحفظة، وبصوت يتحامل على حزنه الكامن منذ أن غادرته بحثا عن الوظيفة:

- أنت صالح ....أنت صالح !
الفلوس في حسابك والله يوفقك..

هل من الممكن أن يؤمن هذا المتأفف أمامي بأن كل دعوات الآباء ليس لها انتماء حين تغادر إلى رب واحد. أتصبب عرقاً ويتصاعد في نفسي غضب يكاد يجعلني أصرخ من كل قلبي «أنا مسلم ...أنا مسلم» .. ولكن عقلي يخبرني أنني لم أكن الأول في هذا، وغيري عبروا بمثل هذه الولادة المتعسرة. عضلات قدميّ تتشنج؛ ولم اعد استطع السيطرة على ارتعاش يديّ، أنتظر رأياً واحداً، أو انطباع ينهي كل هذا الإختناق.

الرجل في الوسط بعارضه الخفيف يقترب من الآخر الملتحي يهمس في إذنه وابتسامة صفراء تنطبع على وجهه.

يا الله أرسلني لعالم آخر، اخلقني في غير هذا الزمان والمكان لأتمكن من العيش كإنسان حر يقف بكل تجرد معلناً عن انتماءه دون خوف إهدار كرامته أو نفي أحلامه إلى المجهول.

يتنحنح الأوسط منهم، يبدو أنه سيطلق رصاصته تجاهي، ستكون رصاصة رحمة في مثل هذا الموقف، نعم اريدها أياً كانت النتيجة. ولكن الآخر أمامي يخاف أن يعبر عن رأيه ويضمر في نفسه قراره ليعبر عنه في سؤال لا معنى له. قفزت من الكرسي وجمعت كل أوراقي التي أمامهم فهي غالية علي بقيمة استنزفت قلق والدي خلفي. تلك الحفنة من الريالات لا يستحقون أن أتركها لهم هنا. نظرت إليهم بازدراء وخرجت.. ليقابلني رجل من مدينتي مازال متفائلاً، يحدوه الأمل بأن يمنحه معدله الكبير فرصةً ليحقق حلمه الوظيفي . يقترب مني ويسألني: «ماذا سألوك ؟».

نظرت إليه بحزن فمازال صغيراً حديث التخرج؛ وليس مثلي فقد مر على تخرجي خمس سنوات وأنا في مثل هذا السيناريو يعاد علي مراراً.. ورغم ذلك لم أتقبله حتى الآن وكأنه في كل مرة يحدث لي للمرة الأولى. أمسكت يده وسألته: «هل تحفظ التشهد الأخير كما ورد في كتاب الفقه؟».

الكاتب: يحيى آل منصور

اضف هذا الموضوع الى:
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3316477