أقرب إلى اللبلاب
بسام الطعان * - « صوت الأخدود » - 17 / 9 / 2009 م - 3:25 ص

    بالأمس، لا أعرف  إن كان بعيداً أم قريباً، فهذا لا يهم، المـهم أن سنوات العمر تقصفت تحت ثقل الظلم، وأن نهر الحقد فرّق بين قلبين أخضرين.

    قلبان يحملان الحب  وشاحاً،  ويرتديان  اللوعة  شالاً،  كانا  يلتقيان بين المروج، أو بجانب النهر المسافر  إلى  البعيد،  وفي  بعض  الأحيان عندما تكون العيون الحاسدة التي تسرق البسمة  من  الشفاه  متفتحة،  كانا يحتميان في الوادي، خلف صخرة كبيرة  تحمل  أول  حرف  من اسميهما، ويتمتعان بالدفء المتولد من عشرة أصابع تعصـر عشرة أصـــابع، بينما أربع عيون مبدعة، لا تتعب من الغزل, تطيّر ملايين العصافير المشتاقة، وتغزل من خيوط شمس الأصيل كباكيب ملونة بألوان قزحية،  ثم  تحولها  إلى ثوبين مطرزين بالمرح.

   لا هو ولا هي، كانا يظنان أن السدود العالية سترتفع من حولهما، وتتركهما في بحيرة سوداء.

   رأتهما بعض العيون الشرسة وهما في وضع  يتمناه كل ولهان، وآن انتشر الكلام، تقدم من أوسع الأبواب بمشروع سلام، بنده الأول والاهم طلب يدها، وبنده الأخير نسيان  الماضي  بكل  آلامه وعودة الصفاء إلى القلوب المتخاصمة منذ سـنوات طويلة، لكن مشروعه انهار قبل أن يقدم كل بنوده، حتى أن أكثرهم من الطرفين، سخروا منه بشدة وهددوه بالقتل إن رآها أو حلم بها مرة أخرى.

   يا لهم من حمقى، أنهم  يصادرون الأحلام وكأنهم أصحابها يوزعونها على من يريدون.

   تحدث إليهم بلغة الطيبة فلم يفهموها، تحدث بلغة التهديد ففهموها وبادلوه بمثلها، لكنه غيّر رأيه وانتظر معجزة تطل برأسها وتحول الجمر إلى مرج أخضر يتسع للكل.

   تأخرت المعجزة كثيراً، فأرسـل حمامة وحملها غصن زيتون، غير أنهم ومثل كائنات ممهورة بالهمجية، أعادوها إليه بوجه كئيب وغصن مكسور.

    خرج من غرفة العناية المشددة، فأبحر نحوهم بقارب من سلام وبمجدافين من أمل، وفي منتصف الطريق المفروشة بالبارود،  كسروا القارب على صخور العناد وزرعوا المسافات بأسلاك شائكة.

   حاصروها بالخراب وأهانوها، ومن ثم حبسوها بين أربعة جدران لا تعرف ما هي الشمس، أما هو فصادروا حريته, طوقوه بمئات الأشباح، والقوا به في أحضان الاضطراب الأرعن.

   ماذا عليه أن يفعل كي يراها، إنه يحن إلى النور الأخضر الطالع من عينيها، إنها مثل اللبلاب تعرش في وجدانه فكيف يبتعد عنها، أو يتركها، لمن يتركها، ولماذا يتركها؟

   الأبواب كلها مغلقة بمزاليج من نار، وها سبعة  أشهر وعشرة أيام قد مرت، أرسل لها مع عصفور رسالة مكتوبة بحبر اللوعة، بدايتها  تصميم على الصمود، ونهايتها رغبة قوية بالهرب سوياً إلى عالم ليس فيه غير الحب والرحمة.

   ـ كيف تطلب من حمامة ليس لها أجنحة أن تطير؟

   ردها أشعل الحرائق في داخله، فتوسل إلى أمه أن تتوسط وتمده بشي من الراحة المفقودة, لكن صواعق اللامبالاة والتوبيخ  أصابته  وشـّوشته  لأيام طويلة.

   آه من الأيام، حولته  إلى مغلوب  ومنكسر، ولكي لا يجري نهر الدم المسفوح بلا سبب كما قال أحدهم، خلع ثوب الأمل وارتدى ثوب الحداد، وهاجر إلى الشمال البعيد.

   قال لها مرة عند باب الليل الذي غار من شعرها الطويل:

   ـ سأفعل المستحيل لكي يكون هذا الشعر لي.

   طأطأت برأسها وانكسرت تعابيرها:

   ـ أي ذنب ارتكبناه حتى نعاقب بهذه الطريقة المؤلمة؟

   ـ لا تخافي يا (هالة) مهما حاولوا فلن يفرقوا بيننا.

   تقلبت شهور الغربة وارتحلت، أخذت منه الكثير، وبالمقابل عبأت جسده الباحث عن الدفء والحنان  بالوهم  والأنين، وحولته إلى غريب لا ينتمي إلى الزمن الذي هو فيه.

   ذات صباح دافئ، تزينه حبات مطر ناعمة، فتح نافذة غرفته في الطابق الثالث, وأمام النافذة تذكر مرابع طفولته، فأرسل نظراته في الاتجاه المؤدي إلى بلده, شاهد عصفورا يرفرف وحيدا ويذهب  في الاتجاه نفسه، شعر بأن العصفور حزين ووحيد مثله، ظل  ينظر إليه وحبات  بلورية  تسقط  من عينيه، وفجأة صاح بصوت أشبه إلى الهمس:

   اذهب أيها العصـفور الحزين، قل لهالة الطهارة  والصـفاء، هالة  الجمال وبيارات الحنان، هالة التفاح المغمس بالعسل، هالة اللوز وعطر الربيع، قل لها، اسمك سيظل مكتوبا على قرص الشمس،  ولك وحدك الانتماء وهذا الحب الكلي.

   اذهب أيها العصفور الحزين، قل لابناء عشـيرتي الميامين، يا قلوباً بلا صفاء، يا أجساداً بلا أحاسيس، يا رؤوساً فارغة وبلا أفكار، لماذا أطفأتم الشمس في عينيه؟ والى متى ستبقون في صدفة الحقد خالدين مخلدين؟

   اذهب أيها العصفور الحزين،  قل لجحافل الشر, كنتم  سعداء وأنتم تحبسونها وتمنعون عنها الطعام، كنتم أغبياء وأنتم تعتقدون  أنه ذهب بلا قلب وبلا عودة، فأنتم لا تعرفون أنه ترك لها قلبه وأخذ قلبها، وأنها دائما معه، لا تفارقه، شعرها ينسدل  على  كتفيه،  يلعب به في  الليالي الطويلة ويتسلى به، صدرها في النهار يمنحه الدفء، وفي الليل يتحول إلى سرير وثير، ينام فيه ولا يصحو إلا لينام من جديد، شفاهها نبع ماء بارد، يشرب منه ولا يرتوي أبدا، أصابعها لا تفارق أصابعه,  يداعبها باستمرار ويحكي حكايات حبه التي لا تنتهي.

   اذهب أيها العصفور الحزين،  قل  للجميع، الصغار قبل الكبار، اخرجوا من دوائركم السوداء، جربوا  الحب  مرة  واحدة،  عندها  ستعرفون كم من قلوب عذبتم، كم من أحلام قتلتم, وكم من حقد زرعتم.

   اذهب أيها العصـفور الحزين،  قل  لكل المحبين، لا تتركوا قلوبكم تعيش مع قلوب لا تعرفها، وإذا فعلتم غير ذلك, ستندمون على العمر الضائع حتى الصمت الأخير،  وستقول لكم قلوبكم  لماذا  امتهنتم الخيانة وحولتمونا إلى مظلومين  في  الحياة،  ولا تنسى  أيها  العصفور  الحزين،  أن  تقول لكل العاشقين، لكم المجد وإياكم والاستسلام.

   اختفى سفيره فعاد مع حزنه وتناول طعامه بصمت.

   بعد ثلاثة أيام، استيقظ في  ليلة  باردة  من  نومه مذعورا، فقد رآها أثناء نومه تغرق في بحر أسود متلاطم الأمواج وتناديه باسمه مرات ومرات، كم تألم وكم شعر بالحزن لأنه كان واقفا على الشاطئ  ينظر ولا يتحرك حتى اختفت.

   ترك الحلم انفصالاً عسيراً يدب في كيانه، شرب حسـوة ماء وحاول النوم من جديد، ولكن كيف يأتيه النوم والوسن طار دون أجنحة وتركه مع الهموم والأوهام، ظل السهد  يعاشره  بوقاحة،  وهرباً من جنون يراوده، ارتدى ثيابه وخرج دون أن تكون  له وجهة محددة، على الدرج سمع صوتاً من داخله يقول:" الجو بارد جداً  فأين  ستذهب الآن؟" لم يستمع إليه وإنما راح يسير في الشارع الخالي  من  المارة  وهو  يحرك  يديه  باتجاهات مختلفة ويتحدث بصوت مسموع، أكل البرد دفء جسده كله فعاد مثل عصفور منتوف الريش، أشعل المدفأة, الصق جسده بها إلى أن عادت إليه الحرارة، وبتفكير لم يدم أكثر من دقائق، وفرارا من الضياع, حزم حقائبه وكان  قلبه يفيض شوقاً للصباح.

   حين وصل لم يسأل عن غيرها, فقالوا وهم يبتسمون:

   ـ إنها ترقد في سلام.

   تخشب جسده من هول المفاجأة، زفت خلاياه إلى  الهذيان،  وسرعان ما وقع مغشيا عليه، وحين نهض، دار من حوله كأنه يبحث عنها بينهم،  تطلع إلى بعض الوجوه، ثم  استدار  وسار إلى حيث ترقد بسلام، صعد التل المفروش بالأشواك   وبعض الأزهار اليابسة، اقترب منها بخطوات مرتعشة، خائفة، باكية، مجنونة, وقف إلى جوارها:

   ـ صباح الخير يا هالة الطهارة، ها قد جئت إليك رغما عنهـم ولن يفرقوا بيننــ ..

   لم يستطع أن يكمل، انهار فيه شيء ما، رأى الدنيا كلها  بيضاء صافية، ولم ير بعدها أي شيء، وكان الآخرون بعضهم يبكي وبعضهم يبتسم.

اضف هذا الموضوع الى:
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة
» التعليقات «1»
بنت نجران
[1]
[ فضاء نجران - نجران ]: 19 / 9 / 2009 م - 4:52 ص
رائعة جداً هذه القصه في زمن لايرحم يستلذ أناسه بسلب حرية الآخرين
كاتب وقاص من سوريا
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3327227