الشعر الفاطمي
محمد آل زيد * - « خاص: صوت الأخدود » - 8 / 4 / 2006 م - 12:33 م

قل أن ترى للدولة الفاطمية مثيل في تنظيم دعونها واختيار الأساليب التي تناسب المتلقي فرأت بصائب نظرها أن الشعر هو أبلغ مسلك لتبليغ رسالتها وكونه يقوم مقام الآلة الإعلامية اليوم فاحتضن الأئمة الفاطميون ووزرائهم وأمرائهم الشعراء وأغدقوا عليهم بالمال الوفير فكثر الشعراء وجاد الشعر بما لم يكن له من قبل مثيل، وازدانت حاضرة دولتهم واحتلت موقع الصدارة بين أكثر دول عصرها تقدما في ذلك المجال[1] .
وقد دفع تشجيع الخلفاء الفاطميين الشعراء إلى هجرة كثير منهم أوطانهم والإقامة في مصر للظفر بهباتهم وبسخائهم وكان الفاطميون يرحبون بالنابهين من الشعراء على اختلاف مذاهبهم. [2] 
وهذا المشهد الثقافي الحاضن جعل الشعراء الذين ازدحمت بهم مصر في ذلك العصر يفدون إليها من المغرب ومن المشرق وحتى من صقلية. [3] 
وإذ كان أواخر عصر الدولة الفاطمية قد شهد تنامي سلطة الوزراء في مقابل الخلفاء إلا أن الوزراء مشوا على وقع خطاهم في رعاية الشعر والشعراء كيف لا وأغلبهم ممن يقرض الشعر ويبدعه.
ولو قسمنا الشعر الفاطمي بناء على أغراضه لوجدناه مبني على ضربين أولهما شعر العقيدة والعلم والجدل واشتهر في بداية الدولة الفاطمية وأبرز شعراء هذه الطريقة كان المؤيد في الدين الشيرازي.
وثانيهما شعر الغزل والتفكه والتظرف ووصف الطبيعة واشتهر في أواخر عصر الدولة الفاطمية ومن ابرز شعراء هذه الطريقة تميم وابن وكيع والعقيلي والأخفش والمهذب الذي قال عنه أبن خلكان "ولم يكن في زمانه أشعر منه" [4] .
وبرز في هذا العصر شاعرات من أشهرهن حسناء المصرية وتقية الأرمنازي قال عنها السلفي "لم ترعيني شاعرة قط سواها".[5] 
وعصر زاخر بالشعر والشعراء لا بد أن يخلف كما هائل وبارز من الشعر يتاق إليه ولكن الواقع أفضى بعكس ذلك!
فأين اختفى شعر العصر الفاطمي؟
وقد كفانا د.محمد كامل حسين مؤنه البحث عن الجواب في كتابة "في أدب مصر الفاطمية" [6]  حيث قال:
" هذه الموجة الفنية التي طغت على مصر سرعان ما أبادها الأيوبيين في ما أبادوه من تراث هذا العصر الذهبي في تاريخ مصر الإسلامية فضاع الشعر ولم يبقى منه إلا النزر اليسير أو قل لم يبقى إلا أسم الشاعر أحيانا أن قدر لأسمه البقاء ونحن لا نتردد في اتهام الأيوبيين بجنايتهم على تاريخ الأدب المصري بتعمدهم أن يمحو كل أثر أدبي يمت للفاطميين بصلة فقد حرقوا كتبهم بما فيها من دواوين الشعر خوفا من أن يكون بالشعر مديح للأئمة وهو كفر بزعمهم وهاهو ذا كاتب الأيوبيين العماد الأصفهاني عندما أراد أن يجمع في جريدته شعر شعراء المائة الخامسة قال عن أبن الضيف داعي الآمر وشاعره: وكنت عازما لفرط غلوه على حطه لأنه أساء شرعا وأن أحسن شعراً بل أظهر فيه كفراً ولأنني لم أرى أن أترك كتابي منه صفراً لأن البحر الزاخر يركبه المؤمن والكافر وقصده البر والفاجر ويحمل الغثاء كما يحمل الدر وقال عن ظافر الحداد أقول ظافر بحظ من الفضل الظاهر يدل نظمه على أن أدبه وافر وشعره بوجه الرقة والسلاسة سافر وما أكمله لولا أنه من مداح المصري والله له غافر.[7]  ومع ذلك لم يروي العماد لهم شيئا في مدح الأئمة فقد تعمد العماد الأصفهاني أن يستبعد أكثر شعر مديح الأئمة من جريدته وتبعه في ذلك غيره من الأدباء والمؤرخين فضاع أكثر شعر مصر الفاطمية بسبب هذا التعصب المذهبي."

على أن هناك جزء ضاع قبل ذلك الوقت وتحديداً أيام الصراع على الوزارة بين شاور وضرغام في أخر العصر الفاطمي حتى أن الشاعر عمارة اليمن عندما أراد ذكر شعره في طي بن شاور قال في كتابه (النكت) [8]  : "فأن جميع ما قلته فيه قد نهب من دار الخليج".
وأستشهد د.حسين [9] بالدليل على هذا التغييب على سبيل المثال لا الحصر بفقدان هذه الدواوين:
1-الشعراء المائة الذين رثوا أبن كلس.
2-ديوان أبن حيدر العقيلي.
3-ديوان أبي الحسن الكاتب.
4-ديوان أبي الحسن بن مطير.
5-ديوان أبن الشخباء.
6-ديوان الملك الصالح بن رزيك.
7-ديوان القاضي الرشيد بن الزبير.
8-ديوان المهذب بن الزبير.
9- ديوان أبن الضيف.
10-ديوان ظافر الحداد.
11-ديوان أبن الكيزاني.
12-شعراء بني عرام بالصعيد.
13-المقطوعات الألف لأبن الصياد.
14-شعر أولاد الكنز بأسوان.
15-مختارات أبن بشرون.
16-مجموعة شعراء أبن رزيك.
17-جنان الجنان للمهذب في شعراء مصر.
18-ديوان القاضي المفضل.
على ان د.حسين أضاف للمتسببين في ضياع الشعر أولائك الذين حفظوا جزاء من الشعر كالثعالبي والباخرزي والعماد وأبن سعيد المغربي ومن نحى نحوهم وعزى ذلك لكونهم اقتصروا على أيراد عدة أبيات فقط للشعراء وقل أن نجد قصيدة كاملة في هذه الكتب فكما هم عوامل حفظ بعض الشعر الفاطمي كانوا في ذات الوقت من عوامل ضياعه[10] .
ونجد أن الشعر الفاطمي غيب بأفعال مريب نتيجة كتاب انحرفوا بكتبهم باتجاه واحد وقعوا في مهاوي ردة الفعل العدائية ولهيمنة تراجع الوعي والعصبية المذهبية بحمى ضربت كتاب العصور التالية للدولة الفاطمية التي بدورها شكلت للشعر الفاطمي كارثة أحاقت به مبكرا فأبقته حبيسة النسيان! ومهما استطردنا في الأسباب إلا أن ضياع شعر الفاطميين مع الأسف هو الحقيقة التي لا مناص من قبولها ولو على مضض.

[1]  أحمد أمين، ظهر الإسلام ج1 ص 206-207. و د.خضر أحمد عطا الله، دراسات مقارنة بين النشاط الأدبي في الدولتين الفاطمية والعباسية ص8.
[2]  عبد الحميد حسن، صفحات في الأدب المصري من العصر الفاطمي إلى النهضة الحديثة ص12. و د.خضر أحمد عطا الله، دراسات ص9
[3]  د. عبد اللطيف حمزة، الحركة الفكرية في مصر في العصرين الأيوبي والمملوكي الأول ص 264. و د.خضر أحمد عطا الله، دراسات ص 9-15.
[4] - د.خضر أحمد عطا الله، دراسات ص 13.
[5] -الطاهر السلفي: معجمه ق17.
[6]  – في أدب مصر الفاطمية ص 169.
[7] - العماد الأصفهاني، خزيدة القصر وجريدة العصر ورقة 50.
[8] - عمارة اليمني،النكت العصرية ص 127.
[9] - أدب مصر الفاطمية ص 160-170.
[10]  – في أدب مصر الفاطمية ص 171.
اضف هذا الموضوع الى:
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة
» التعليقات «4»
حسين محمد
[1]
[ السعودية - نجران ]: 10 / 4 / 2006 م - 1:47 ص
لا غرابة يا بو راكان تميز منذ الاطلالة الاولى خاصة مع هذا الموضوع الشيق
استمر رعاك الله وسلط الضوء على الفاطميين وما قاموا به من دور مؤثر في التاريخ الاسلامي حرص اكثر اعدائهم على طمسه
king
[2]
[ lo. - rt ]: 10 / 4 / 2006 م - 2:44 ص
الله يبارك فيك والى الامام واتمنى لو تستخدم بعض من المؤلفات المذهبيه و اتمنى من المسؤلين اقتراح زواية حدث في مثل هذا الشهر او القيام بزاوية يتم فيه تناول حياة امام او داعي
شكرا ولك خالص التوفيق
متابع
[3]
11 / 4 / 2006 م - 8:58 ص
السلام عليكم.....

الدولة الفاطمية دولة عظيمة ولكن ينقصنا معرفة الجوانب الحضارية والاقتصادية والتاريخية لهذه الدولة العظيمة.

نشكر جهدك في عرض مالديك من معلومات عن تاريخهم ونتمنى الإستمرار خصوصا ما يتعلق بالعلم والعلماء


الى الأمام

متابع
الدكتورة
[4]
[ المملكه - الخبر ]: 13 / 4 / 2006 م - 7:07 ص
اشكرك اخي محمد , ولكن ثق تماما ان السبب الرئيسي وراء تهميش الدور الثقافي للدوله الفاطمية هو السياسه وكرسي الخلافه الذي ما لبث يطمس كل ماهو نافع ومضيء وبالذات عندما يكون الاختلاف المذهبي طرفا فيه. ولكن تابى النار إلا شموخا حتى وإن كانت محدوده اي ضاله عن اعين العامه. واما كلام الدكتور كامل فقد اخرج امانة في عنقه نشكره عليها في الوقت الذي ما زال الغالبيه يحجبها ظنا انها سوف تكون غائبه إلى الابد ولكن هيهات.

اشكرك اخي محمد ونرجو المزيد مع التنوع في القطاف لكي لا يحاط القراء بدائرة المذهب من كل الجوانب ولتكن الكتابه تعم لاكتساب العلم من جميع الثقافات.
تحياتي للجميع
كاتب صوت الأخدود
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3309974