تدمير المكتبة الفاطمية
محمد آل زيد * - « خاص: صوت الأخدود » - 1 / 3 / 2006 م - 2:30 م

لاشك ان العصور الوسطى كانت هي عصور النهضة الإسلامية حيث كانت المنهل والمقصد لكل باحث وطالب علم في شتى أصقاع المعمورة، إلا أن هذه النهضة لم تكن يوما تمتلك مكتبة تجمع كل أطياف هذه السطوع الفكري أو معهدا علمياً لتدريس تلك الفنون، إلى أن وضع المأمون مكتبة قصره دارا لترجمة الأعمال الفلسفية للمؤلفين اليونان إلى العربية، ولكن سرعان ما تدهورت هذه المكتبة بعد وفات الخليفة. تبعها الوزير الفارسي أبو نصر سابور بن أردشير عام 991م، ابان العهد البويهي بمكتبة أكبر في الكرخ حوت على أكثر من 10000 كتاب، ولكن العمل الأبرز والأكثر تنظيما كان (دار العلم) التي أسسها الحاكم بأمر الله الخليفة الفاطمي السادس في 24 مارس 1005م الموافق العام 395هـجرية والتي كانت أهم المؤسسات الثقافية الفاطمية، وصفها ابن أبي

وصفها ابن أبي طي بأنها "من عجائب الدنيا ويقال أنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر. كانت تشمل على ألف وستمائة ألف كتاب " [1]  وقد يرى البعض أن الرقم الذي ذكره ابن أبي طي (مليون وستمائة كتاب) مبالغ فيه؛ فعلق عليه المقريزي انه ليس ببعيد فقد أخذ القاضي الفاضل مائة ألف مجلدة منها.

 طي بأنها "من عجائب الدنيا ويقال أنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر. كانت تشمل على ألف وستمائة ألف كتاب " [1] 
وقد يرى البعض أن الرقم الذي ذكره ابن أبي طي (مليون وستمائة كتاب) مبالغ فيه؛ فعلق عليه المقريزي انه ليس ببعيد فقد أخذ القاضي الفاضل مائة ألف مجلدة منها.
وفي ذلك دلالة على عظم حجم هذه المكتبة، وقد كان الخلفاء الفاطميين يعتنون ويكثرون من زيارة المكتبة ويأخذون منها ما يروقهم للمطالعة ثم يعيدونه مرة أخرى[2] ، حفاظا على تراث هذه المكتبة التي بذلت للدارسين والناسخين والقراء، وتطورت حتى أصبحت جامعة تلقى فيها المحاضرات من قبل قراء القرآن والمحدثين والفقهاء واللغويين والنحاة والفلكيين والرياضيين وأهل المنطق، إضافة إلى الأطباء [3]  ومن ابرز ما كان فيها من نفائس آلاف من المصاحف المحلاة بالذهب والفضة وفيها ما هو مكتوب كله بالذهب وكتب كتبت بخط مؤلفيها مثل "تاريخ الطبري"و"كتاب العين"للخليل بن أحمد".
ومع الأسف ان مكتبة بهذا الحجم وهذه القيمة التاريخية لم يصلنا منها سوى ثلاثة مخطوطات كانت ضمن خزانة مكتبة "دار العلم"؛ كتاب "التعليقات والنوادر" وعن هذه النسخة نشر الشيخ حمد الجاسر الكتاب وصدر عن دار اليمامة بالرياض سنة 1992م والنسخة الوحيدة من كتاب "حذف من نسب قريش" أما المخطوطة الثالثة فهي المجلد العاشر من كتاب "الأغاني".

لقد تعرضت مكتبة القصر الفاطمي ومكتبة دار العلم لأزمات كثيرة أضاعت الكثير من ذخائرها؛ فأولها كانت الأزمة الاقتصادية والسياسية في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله عندما استولى الجند الأتراك على زمام الأمور في مصر عام 461هـ وانتهبوا 18000 مجلد من العلوم القديمة؛ بالإضافة إلى 2400 مخطوطة للقرآن بزخرفات ذهبية وفضية، وأقتسم الوزير أبي الفرج محمد أبن جعفر و الوزير السابق الخطير بن الموفق كتعويض مقابل خدماتهما وأموال موظفيهما، التي كان الديوان يدين بها لهما ورغم ان حصة ابي الفرج خمسة آلاف دينار إلا انه أخذ ما يساوي المائة ألف دينار ونهبت من داره بعد أقل من شهر عندما فر الوزير يوم انهزام ناصر الدولة ابن حمدان وذهبت أغلب هذه الكتب إلى عماد الدولة ابن المحترق بالإسكندرية، وبعد مقتله انتقلت للمغرب بالإضافة إلى ما استولت عليه قبيلة لواته الذين عاشوا بدوا على الطرف الغربي لدلتا النيل (ليبيا اليوم) من الكتب الجليلة النادرة فجعلوا جلودها أحذية لخدمهم وجواريهم وحرقوا الأوراق بحجة أنها تضمنت عقائد دينية إسماعيلية مما يناقض معتقداتهم وشكل الرماد تلالا عظيمة في منطقة الأبيار، التي لا تزال حتى اليوم تدعى بتلال الكتب كما رمي كثير منها في النهر أو اتلف سوى قليل حمل إلى سائر الأمصار.[4] 

غير ان هذا الفقد أصاب المكتبات البرانية دون خزائن القصر الداخلة التي لا يتوصل إليه[5] ، وأخذ الخلفاء الفاطميين ووزراؤهم ينمونها من جديد.

وكانت نهاية خزائن الكتب الفاطمية في أعقاب سقوط الدولة الفاطمية عندما باعها صلاح الدين الأيوبي بأرخص

وكانت نهاية خزائن الكتب الفاطمية في أعقاب سقوط الدولة الفاطمية عندما باعها صلاح الدين الأيوبي بأرخص الأثمان حسب قول العماد الأصفهاني معاصر السلطان صلاح الدين [6] ، وتولى بيعها ابن صورة دلال الكتب، فحصل القاضي الفاضل على قدر كبير منها يقدر بمائة ألف وأربعة وعشرين مجلد فكان كل كتاب يناسبه يقوم بقطع جلده ويرميه في بركة كانت هناك فعند فراغ الناس من شراء الكتب اشترى ما ألقاه في البركة على أنها مخرومة بثمن زهيد ثم جمعها بعد ذلك

 الأثمان حسب قول العماد الأصفهاني معاصر السلطان صلاح الدين [6] ، وتولى بيعها ابن صورة دلال الكتب، فحصل القاضي الفاضل على قدر كبير منها يقدر بمائة ألف وأربعة وعشرين مجلد فكان كل كتاب يناسبه يقوم بقطع جلده ويرميه في بركة كانت هناك فعند فراغ الناس من شراء الكتب اشترى ما ألقاه في البركة على أنها مخرومة بثمن زهيد ثم جمعها بعد ذلك.[7] 

وقد ذهبت مكتبة القاضي الفاضل الموجودة في مدرسته هي الأخرى وتفرقت في نهاية القرن السابع الهجري عندما وقع الغلاء بمصر في سنة 694هـ في فترة حكم السلطان الملك العادل كتبغا المنصوري فصار الطلبة يبيعون كل مجلد برغيف خبز.[8] 

هذا ما حل بالكتب أما المصاحف فلم يصلنا سوى قطعت من مصحف بالخط الكوفي مكتوب بالذهب على رق (أزرق) مصبوغ بمادة النيلة؛كان محفوظا في مكتبة جامع القيروان، ووجد منه أوراق أيضا موزعة في مكتبات ومتاحف العالم والمجموعات الخاصة. ولربما تظهر لنا الأيام نسخا أخرى من الكتب التي تعود إلى هذه الخزنة التي ضاعت محتوياتها بسبب الفوضى التي اجتاحت مصر أوسط القرن الخامس الهجري، ثم بسبب تعصب الأيبويين علــى الفاطميين وبيعهم مكتبتهم، وأخيرا بذهاب مكتبة القاضي الفاضل في نهاية القرن السابع الهجري[9] .

غير أن أتباع المذهب الإسماعيلي بفرعيه النزاري والمستعلي احتفظوا بجزء من الكتب الفاطمية فكون النزاريون في قلعة آلموت مكتبة وكان مصيرها كسابقتها فنقل لنا المستشرق الالماني هانز هالم[10]  :
" عندما استسلم ركن الدين خورشاه، آخر أسياد آلموت، للخان المغولي؛ هولاكو، حفيد جنكيز خان، سنة 1256م، وخضعت قلعة آلموت له، كان ذلك إيذانا بنهاية مكتبتها أيضاً. وقد أورد الجويني، وزير الخان، في تاريخه " تاريخ فاتح العالم" :
"ربما أنني كنت متشوقا لتفقد المكتبة، التي طبقت شهرتها الأفاق، فقد اقترحت على الملك ألا تتلف الكتب النفيسة. ووافق على اقتراحي وأصدر الأوامر الضرورية، وذهبت لتفحص المكتبة، التي انتزعت منها كل ما وجدته في طريقي من نسخ القرآن ومن كتب مختارة أخرى على طريقة (هو الذي أخرج الحي من الميت). والتقطت أيضا الأدوات الفلكية .... أما فيما يتعلق بما تبقى من كتب، والتي كان لها صلة بهرطقتهم وضلالهم والتي لم تكن مبنية على حديث ولا يدعمها عقل، فقد أحرقتها كلها" [11]  ".

ولم تكن مكتبة الفرع المستعلي بأحسن حظ من سابقاتها ففي عام 902هـ أمر سلطان عدن عامر بن عبد الوهاب الظاهري بتقيد داعي الإسماعيلية الحسن بن إدريس في تعز وأودعه السجن وأمر بإحضار كتبه وأتلافه[12] .

بتسليط الضوء من عدة زوايا لتفحص المشكلة بتجرد وفق المعطيات الواضحة أملاً في اكتشاف السبب من أساسه نخلص أن ذلك أمر مرده لجذور داخليه لبعض المتنفذين تحت راية وستار الدين المرتهنين بالكره الدفين لأي طرف خارج منظومتهم وبردة فعل عدائية جداً جعلت من الكتب هدفاً لمعول الهدم والهدامين غير ذلك ليس ثمة خيار وإذا قلنا غير ذلك نجافي واقعنا الحرج ونكتم صوت العقل.

وفي عام 1289هـ قام الباشا التركي بإرسال الداعي الإسماعيلي السليماني وولديه وجماعة من المكارمة

 وبعض كتبهم إلى الباب السلطانية ووصل الداعي إلى الحديدة وفيها مات، أما ولده أحمد فقد مات في البحر [13]  .

وفي عام 1323هـ قام الإمام الزيدي المتوكل على الله يحيى بمصادرة كتب الإسماعيلية السليمانية وكتب في أحدها :
"هذا الكتاب من كتب الباطنية مما أخذ عليهم من لهاب من جملة تنيف على أربعمائة مجلد، في شهر ربيع الأول"[14] .

ما هي الأسباب الظاهرة لمحاولة طمس التراث الفاطمي عبر التاريخ؟
بتسليط الضوء من عدة زوايا لتفحص المشكلة بتجرد وفق المعطيات الواضحة أملاً في اكتشاف السبب من أساسه نخلص أن ذلك أمر مرده لجذور داخليه لبعض المتنفذين تحت راية وستار الدين المرتهنين بالكره الدفين لأي طرف خارج منظومتهم وبردة فعل عدائية جداً جعلت من الكتب هدفاً لمعول الهدم والهدامين غير ذلك ليس ثمة خيار وإذا قلنا غير ذلك نجافي واقعنا الحرج ونكتم صوت العقل.
وإذا كان ارتباط هذه الكتب بالمذهب الإسماعيلي قد قادها لهذه الكارثة المحققة فحسبه أنه لم يمت بعد في ذاكرة الأجيال.

[1] -المقريزي: الخطط 139-140 ؛الصفدي: الوافي بالوفيات 17:688 ؛أبو شامة: الروضتين في أخبار الدولتين 1:507.
[2] -أبن الطوير: نزهة المقلتين 126-127.
[3] -المسبحي: الأخبار ؛ المقريزي :الخطط م1 ص 459.
[4] -المقريزي: الخطط 1: 408-409؛ اتعاظ الحنفاء 2: 294-295.
[5] -الرشيد بن الزبير: الذخائر والتحف 262.
[6] - أبو شامة: الروضتين 1:686.
[7] -أبو شامة: الروضتين 1:507 ؛ الصفدي: الوافي 17:688.
[8] -المقريزي: الخطط 2:366.
[9] -أيمن فؤاد سيد: "خزانة كتب الفاطميين هل بقى منها شيئ؟" مجلة معهد المخطوطات العربية 1/42 (1998) ص 7-32.
[10]  هانز هالم، الفاطميون وتقاليدهم في التعليم، الترجمة العربية ص147-148.
[11]  عطا مالك جويني، تاريخ فاتح العالم، ترجمة جون بويل (مانشستر) 1958.م2،ص719.
[12]  أيمن فؤاد سيد، المذاهب الدينية في اليمن ص169.
[13]  السفر الثاني من تاريخ الحرازي ص 171.
[14]  شتروتمان.
R.STROTHMANN' GNOSIS-TEXTE DER ISMAILTEN 'P10
اضف هذا الموضوع الى:
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة
» التعليقات «1»
نوهى السعيد
[1]
[ ksa - jed ]: 2 / 3 / 2006 م - 6:35 ص
يعطيك العافيه للمقاله الرائعه والتى لا يخفى على الجميع كنوز الدوله الفاطميه التى اتلفت وضيعت من قبل صلاح الدين وشاكلته شكرا
كاتب صوت الأخدود
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3327227