الرد على شبهات خصوم الإسماعيلية (2)
حين سكت أهل الحق عن الباطل توهم أهل الباطل أنهم على حق
علي المستنير * - « خاص: صوت الأخدود » - 14 / 7 / 2017 م - 1:42 م

                            
          الشبهة الثانية: الرد على منكري تأويل القران

في البداية لا بد لنا ان نعرف التأويل وما المقصود به فنحن نعرف ان الاديان السماوية جاءت عامه واستخدمت صيغة العمومية في مقولاتها واحكامها مما ادى الى خلافات في التفسير واجتهادات في فهم المعاني التفصيلية وبذلك انقسمت هذه الاديان الى فرق ومذاهب مختلفة كل مذهب اتخذ له منهجا خاصا ينطلق من فهمه واجتهاده في ذلك. ومن هذا المنطلق نفهم ان التأويل قديم ومعناه محاولة  تفسير النص الوارد في الكتاب تفسيرا خاصا يبين مدلوله ويوضح ما يرمي اليه النص وهو "ارجاع الكلام وصرفه عن معناه الظاهري إلى معنى أخر، مأخوذ من آل يؤول إذا رجع وصار إليه، وتأول فلان الآية أي نظر إلى ما يؤول معناها، ويجب ان نوضح ان علماء الفرق الإسلامية التي قالت بالتأويل اختلف علمائها في اجتهادهم كلا حسب مستواه العلمي  الذي وصل اليه بما فيهم بعض دعاة الإسماعيلية  كالنسفي  وابوحاتم الرازي  والسجستاني  والكرماني  في كتبهم المعروفة حسب التسلسل (المحصول )، (الاصلاح)، (النصرة)، (الرياض) التي تباينوا فيها من حيث فلسفة التأويل.
وللمفكر الإسلامي محمد عابد الجابري رأي توفيقي حول الموضوع يرد فيه على من ينكرون الاختلاف بين العلماء في التأويل فهو يقول ما نصه (أما الخطأ في الفهم والتأويل فشيء لا يعاقب الإسلام عليه بل بالعكس. فالإسلام يعترف بحق الخطأ. ومرتكب الخطأ في الفهم أو التأويل لا علاقة له إطلاقا مع وضعية المرتد، فلا يجوز تكفيره. يقول ابن تيمية وهو من أكثر شيوخ السلفية تشددا في موضوع التأويل:"... بَيِّنٌ أن علماء المسلمين المتكلمين في الدين باجتهادهم لا يجوز تكفير أحدهم بمجرد خطأ أخطأه في كلامه، فإن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات". وبعد أن يشير إلى اختلاف المجتهدين أضاف: ومع هذا فقد اتفق المسلمون على أنه لا يكفر أحد من هؤلاء الأئمة؛ ومن كفرهم بذلك استحق العقوبة الغليظة التي تزجره وأمثاله عن تكفير المسلمين؛ وإنما يقال في مثال ذلك: قولهم صواب أو خطأ. فمن وافقهم قال: إن قولهم الصواب. ومن نازعهم قال: إن قولهم خطأ، والصواب قول مخالفهم)

 إذا فالتأويل يدخل في إطار البحث عن الحقيقة التي قد تكون مخفيه بداخل النص وبذلك تبدأ المماحكة بين النقل والعقل فمهمة النقل في وضع النص ومهمة العقل في توضيح معانيه الحقيقية ولذلك فقد انقسم المسلمون في موضوع التأويل الى عدة فرق:
1-فرقه نفت فكرة التأويل وهاجمت من قال به واعتمدت على التفسير الظاهري واللغوي للمعاني وهم الظاهريون 
2- فرقه امنت بالتأويل وهم اهل الحكمة الذين يتأولون النص تأولا علميا ويسخرون الحكمة لخدمة الشريعة ويؤمنون بان التأويل علم قائم بذاته لا يعلمه الا الله والراسخون في العلم الذين ميزهم الله وخصهم بعلمه وقد امنت هذه الفرق من المسلمين بو جود معاني خفيه داخل بعض النصوص والآيات القرآنية لان بعضها إذا اخذت على ظاهرها فقط فسد معناها وقد استدلوا على القول بوجوب التأويل من خلال الآيات الواردة في القران الكريم وهي كثيره وهذه امثله منها قال تعالى:
﴿َوكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

وقوله تعالى ﴿وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

وقوله تعالى ﴿قال هذا فراق بيني وبينك ۚ سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا
وقوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ
 وقوله تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
. ثم لا ننسى دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عباس (فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى كَتِفِي أَوْ عَلَى مَنْكِبِي،
     ثم قال:
 ((اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ))
(أخرجه أحمد في مسنده عن ابن عباس)
 
وكذلك حديث ابن مسعود وهو حديث اخرجه ابو يعلى بسند صحيح على شرط مسلم. عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ﴿انزل القران على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع

كذلك حديث الحسن بن عبد الرحمن ابن عوف عن ابيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( ثلاثة تحت العرش يوم القيامة؛ القران يحاج العباد له ظهر وبطن، والأمانة، والرحم تنادي الا من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله)
          صححه ابن حجر العسقلاني في تخريج المصابيح والمشكاة والبغوي في شرح السنة


  وهناك ادله عقليه وردت في القران للتدبر والتفكر في آياته مثل قوله تعالى ﴿سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم

وقوله تعالى ﴿وفي الارض آيات للموقنين وفي انفسكم افلا تبصرون

وكل هذه الآيات الكريمة تؤكد وجوب التدبر واستخدام العقل الذي منحه الله للإنسان في اكتشاف المعاني الظاهرة والخفية التي تعتبر كالجسد والروح بحيث لا ينفصل ظاهرها عن باطنها التي يتولد من اجتماعه المقاصد الشرعية  ولذلك فقد برز علماء هذه الفرقة التي تؤمن بالتأويل في استخراج المعاني الكامنه داخل بعض الآيات لكي يتضح المعنى الروحي المقصود به فيها وكان للأئمة ومن تبعهم وسار على نهجهم من العلماء والدعاة  الإسماعيليين  دورا رياديا في ذلك الميدان  فقد اغنوا المكتبة الإسلامية بالإنتاج العلمي الضخم قبل وبعد الدولة الفاطمية لان الدين في نظرهم  هو ان يترقى الانسان  تدريجيا في معرفة علوم الكون والوصول الى معرفة الخالق عزوجل من خلال آياته ومخلوقاته.
 ولكي نستدل ببعض الآيات القرآنية عن وجوب التأويل فل نتمعن في هذه الآيات الكريمة

مثل قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ فليس المقصود ساق الرجل فهو تجسيم لله تعالى الله عن ذلك بل معنى خفي اخر في داخل الآية يوجب التأويل
وقوله تعالى "﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ما المقصود بالإمام ومن هو
كذلك قوله تعالى ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً وما المراد بالعمى في الآية؟ من المؤكد انها لا تعني الاعمى الذي فقد بصره بل لها معنى تأويلي اخر غير المعنى الظاهري الوارد في النص ولو اخذ بظاهر النص لكان كل اعمى في النار.
وقوله تعالى﴿ إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين ماهو الكتاب المكنون الذي حفظ فيه القران ومن المقصود المطهرون؟ الايحتاج ذلك الى تأويل
وقوله تعالى ﴿ عم يتساءلون (1) عن النبأ العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون (3) كلا سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5) فماهو النبأ العظيم  الذي هم فيه مختلفون؟
ومعنى قوله تعالى في توبيخِ إبليسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ فهل المقصود اليد كما في النص الظاهري فهذا تشبيه بمخلوقاته وفيه تجسيم تعالى الله عن ذلك ام المقصود معنى اخر تأويلي خفي 
وقوله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا فهل يصف الله مع مخلوقاته من الملائكة تعالى الله عن ذلك لابد ان لها معنى او تأويل غير المعنى الظاهري
وقوله تعالى ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا فهل كانت الناقه عمياء ام ان هناك تأويل اخر لمبصره
وقوله تعالى ﴿وأسبغ عليكم نعمة ظاهره وباطنه
وقوله تعالى ﴿وذروا ظاهر الاثم وباطنه فما هو الظاهر وماهو الباطن في الآيات الكريمة
 ومثل هذه الآيات القرآنية تحتاج الى تأويل يبين المعنى الحقيقي للنص وكل ذلك لا يأتي الا بتدبر القران.

 وهناك مئات الآيات القرآنية التي لا يمكن الاستدلال بمعناها الظاهري فقط لا يتسع المجال لذكرها في هذا البحث المختصر وتؤكد وجوب التأويل لفهم المعني الحقيقي المقصود بها كل ذلك يؤكد ان التأويل علم قائم بذاته يعرفه الراسخون في العلم ممن اختصهم الله بعلمه وألهمهم التدبر في آياته ومن ينفي ذلك فقد ضل سواء السبيل لقوله تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُها

اضف هذا الموضوع الى:
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة
» التعليقات «4»
مشكور
[1]
14 / 7 / 2017 م - 4:00 م
عزيزي / الاستاذعلي تشكر على الشرح المتزن والوافي وهذة الكلمات الجميلة والتي استفدنا منها اشياء كثيرة انا شخصيا كنت اجلها نتمنا لك ولكل انسان من امثالك مزيد من التوفيق ولكل من يريد ان يشرح ويوضح للاخرين عن ماقديفوتهم اويجهلؤنه في هذة الحياة من العلم والعلؤم التي تحتاج الى شرح وتوضيح بشكل علمي يستفيد منه المجتمع اللهم احفظ الجميع بالصحة والعافية واجمع الشمل على دينك ومحبتك بأخلاص يسؤده التسامح والمحبة والعطف والرحمة واتكاتف والوحدة الوطنية اصادقة لوجه الله والتي هي من اوامر الدين الحنيف ...اللهم احفظ البلاد والعباد وحكامها والدم علينا نعمة الاسلام.والسلام ورد كيد اعدائينا في نحورهم امين يارب العالمين ..
محب ال اابيت
[2]
[ السعوديه - نجران ]: 15 / 7 / 2017 م - 1:20 م
الاخ علي المستنير.. زادك الله نور على نور والحقيقة ان لك من اسمك نصيب فلقد بينت لنا اشياء لم نكن نعرفها بهذه المقالات النيرة واعدت لنا امجاد المكاسرة التي كلن يتميز بها الاسماعيليون في دحض شبهات الخصوم ومن وحي كتبهم. وكما نعلم ان السلم العرفاني في الدعوة يتدرج من الامام الى الحجة ثم الداعي وبعده المأذون ثم المكاسر ثم المستجيب الخ السلم العرفاني ولذلك وانت تعري شبهات الخصوم فإنك تستحف لقب المكاسر والمنافح عن دعوة ال البيت. نترقب باقي الرد على باقي شبهات الخصوم الاخرى بكل شوق.
واقترح بعد نهاية الحلقات ان يتم جمعها في كتيب صغير يوزع على الجيل الجديد من ابناء الدعوة لتطمئن قلوبهم بعقيدتهم عقيدة ال البيت عليهم السلام. حفظك الله وانار دربك
حمد حسين رديش
[3]
[ الخبر ]: 17 / 7 / 2017 م - 8:25 ص
شكرا ابا رائد الحقيقه واضحة لكن البعض يتبع ماهواه وما يعود عليه بريع
حسين بالحارث
[4]
[ السعودية - الخبر ]: 17 / 7 / 2017 م - 4:24 م
(لا يطل السلفي على الناس من أي نافذة إعلامية الا ليشكك في عقائد الناس ويتهمهم بما ليس فيهم) هذا ما خبرناه مع الوقت في هؤلاء القوم فهم لا ينتصرون للحق اذا جادلوا ولا الحق قضيتهم اذا وقفوا على البراهين حتى من كتبهم وإزاء هذا الواقع يحتار الناس فيهم وآخرين من العامة والبسطاء يغرقون معهم.
هنا الباحث الأستاذ علي المستنير يقدم لهم بدل الدليل أدلة حول ما يثيرونه من كتب اخوتنا السنة ولو كانوا للحق ناصرين لقالوا جزاك الله خير الجزاء.. وليس هناك أخير من التضامن والوحدة بدل المشاجرة والفتن بين المسلمين ولكن قد يقنع مثل هذا الأخوة السنة ولكن كيف يقنع السلفي على وجه الخصوص فهذا الكائن يعيش بين المسلمين وغايته هي الفتنة وهو لا يتوقف ولا يهتم لما ورد في كتب اسلافه لأن غايته في الأساس هي الفتنة ولا غيرها وكأنه مكلف من اليهود لأسقاط الإسلام.
فهم مثلا يدعون ان الشيعة يقولون ان القرآن محرف وناقص.
علما ان كتبهم تذكر علماء سنة من اسلافهم يقولون بتحريف القرآن ونقصانه وليس اتباع ال البيت!!
وأكاذيب كثيرة من هذا النوع ومهما ظهرت لهم من إيضاحات واثباتات تؤكد لهم خطأ ما هم فيه الا ان الانسان يعجب حقا من إصرار هؤلاء القوم على عداوة الآخرين من جميع المسلمين سنة وشيعة.
عموما لست اعني بهذا ان يتوقف الباحثين أمثال الأخ على المستنير عن كشف أكاذيب هؤلاء الدواعش ايمانا بان لا فائدة من كشف الحقائق بل أطالب الجميع ان لا يدع هؤلاء يفلتون باكاذيبهم حتى نعريهم ونعري أهدافهم الخبيثة.
عقيد متقاعد وناشط حقوقي .. كاتب صوت الأخدود
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3322227