ترعرع في قرية صغيرة وعاش في الصحراء وصقلته المدرسة العسكرية ومجلس الشــــــورى..
اللواء أبو ساق: الملك عبدالله صاغ رسالة الحرس و«الجنرال» نفذها بـــاحترافية وحزم وأمانة
صوت الأخدود - « صحيفة عكاظ: حوار:عبدالله آل هتيلة » - 30 / 6 / 2014 م - 7:02 ص

يتحدث اللواء محمد أبو ساق وزير الدولة وعضو مجلس الوزراء لشؤون مجلس الشورى بفخر واعتزاز عن الحرس الوطني، وعن جهود خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ــ حفظه الله ــ ودوره في تعزيز مكانة هذا الجهاز الوطني برؤية ثاقبة وعزيمة لا تلين صاغت الرسالة السامية للحرس الوطني.
ولا يمل أبو ساق وهو يتحدث عن الماضي، عن ذكر مكان ولادته ونشأته في قرية «صاغر» الغنية بمزارعها وبساتينها ونخيلها السامقة، وتأثره بحكمة وحنكة جده الشيخ جابر أبو ساق رحمه الله وأعمامه الشيخ شرفي رحمه الله والشيخ علي شيخ شمل قبائل آل فاطمة يام حاليا، من خلال حضوره الدائم لمجالسهم التي شهدت الكثير من المواقف الإنسانية التي تعطي مؤشرا على دور القبيلة في مساندة الدولة في جميع توجهاتها. إضافة إلى دور الأحداث المهمة التي شهدتها نجران إبان فترة نشأته الأولى في صقل شخصيته وتحديد مسار مستقبله الفكري والوظيفي.
وتحدث اللواء محمد أبو ساق من خلال هذه السهرة الرمضانية عن بداياته العملية في الحرس الوطني، ودور صاحب السمو الملكي الأمير متعب بن عبدالله وزير الحرس الوطني في تطوير هذا الجهاز منذ كان قائدا للمدرسة العسكرية لتخريج الضابط.
هنا نص الحوار:
• بداية واكب حوارنا معكم صدور الأمر الكريم بتعيينكم وزير دولة وعضوا في مجلس الوزراء لشؤون مجلس الشورى، إلى أي مدى يعني لكم هذا الاختيار خاصة وأنتم قريبون من مجلس الشورى؟
دعوني أنقل لكم مدى اعتزازي بهذا التعيين وتلك الثقة التي أولاها لي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله، والتي تعد وساما على صدري، وكلي أمل أن أشارك في تنفيذ الأهداف الطموحة التي يرسمها أيده الله لبناء الوطن وتقدمه وتطوره في جميع المجالات، وأدعو الله عز وجل أن يعينني على بذل كل جهد لأكون أهلا لهذه الثقة، وأتمنى من المولى عز وجل أن تكون تجربتي في مجلس الشورى إضافة حقيقية لدفع عجلة البناء لما فيه مصلحة الوطن والمواطنين.
• حدثنا عن طفولة محمد أبو ساق، وأين كانت؟
- عشت في قرية صاغر بنجران وسط سلسلة من القرى الجميلة المترابطة على ضفاف وادي نجران في أقصى جنوب المملكة، وأقول لك بأنها ورغم تحديات الحياة حينئذ ــ في الستينيات الميلادية الماضية ــ فقد كانت من منظوري اليوم نشأة سعيدة، وهي كالمثل القائل: «عند الصباح يحمد القوم السرى».

ذكريات جدي ووالدي
• من الأشخاص الذين تأثرت بهم، وما هي الأمكنة التي احتضنت سنوات طفولتك؟
- كان لوالدتي رحمة الله عليها تأثير كبير لايزال يتفاعل إيجابا وعاطفة في داخل نفسي، فرغم أنها توفيت وعمري لم يتجاوز الرابعة عشرة، إلا أنني أستشعر عاطفتها ومحبتها وحلمها نحوي كأكبر أولادها، وتلك مشاعر عاشت معي طويلا، وكم تمنيت أن أمي ــ رحمة الله عليها ــ عاشت معنا اليوم، لأقوم على خدمتها وإسعادها، فدائما ما أشعر بعظمة مقام الأم وأغبط الآخرين بوجود أمهاتهم بينهم، وفرصة كل منهم لخدمة الأم وإسعادها، كما كان والدي ــ رحمة الله عليه ــ أبا كريما وصاحب قلب كبير وقدوة ورجلا نبيلا وحكيما في رؤاه، يحترمه ويحبه من يعرفه، سافر في مقتبل حياته إلى أماكن ومدن كثيرة وتوسعت مداركه ومعرفته، ولاأزال أستمد من سماته ونبل أخلاقه وأقواله وأفعاله وعلاقاته فوائد وذكريات جميلة هي وقود معنوياتي مما يدفعني دائما لأكون عند حسن ظنه، رغم انتقاله إلى جوار ربه في شهر يوليو 1989م، فرحمة الله عليهما.

صمت في فصل الخريف
• متى صمت أول رمضان في حياتك، وأين، وكم كان عمرك؟
- لا أتذكر متى بدأت الصوم، لكني أتذكر أنني ومثل غيري تعلمت الصوم في سن مبكرة جدا وبشكل تدريجي، وأقصى ما أذكر أنني صمت في فصل الخريف حيث تشتهر نجران بغزارة إنتاجها وجودة ثمارها، فكانت موائد الإفطار تحتوي على ما لذ وطاب من رطب وعنب وتين ورمان وغيرها، ورغم صغر سني إلا أن الصيام كان أيسر من اليوم بشكل كبير نظرا لعدم دخول عادة السهر التي فرضتها متغيرات الحياة الحديثة، فلم يكن هنالك كهرباء ولا تلفزيون ولا أي محركات تعكر هدوء بيئتنا ومساءاتنا، وكان الناس ينامون مبكرا بعد صلاة التراويح والعشاء، كما أن بيئة نجران الزراعية تساعد على تلطيف الطقس حيث كانت نجران كأنها روضة غناء متشابكة بساتينها ومزارعها وغروس نخيلها، وما أتذكره أن الصيام كان سهلا وكنا نترقب قدوم رمضان لما له من فرحة واشتياق روحانيا واجتماعيا.
• من أهم الأشخاص الذين ساهمت معرفتهم في تكوين شخصيتك وصقلتها منذ الصغر، وكيف كنت تراقب الأحداث آنذاك من حولك وما هي أهم تلك الأحداث؟
- لا شك أن دور الوالدين يؤسس للتربية وبناء الشخصية لكل الناس، ثم تأتي أدوار أخرى مكملة مهمة في الحياة سواء الأشخاص أو الأحداث، وقد نشأت مثل أبناء جيلي في زمن وبيئة اجتماعية رغم أنها ليست بعيدة عنا في معيار الزمن، إلا أن حجم التطور والتغير الاجتماعي في المملكة يجعل من الصعب على شباب اليوم وحتى أبنائي أن يتصورا كيف كانت الحياة الاجتماعية في الستينيات الميلادية الماضية، وقبل ذلك أو بعده بعقد من الزمان بحسب واقع كل منطقة ومستوى سرعة تغير بيئتها المدنية والاجتماعية، وكان كل شيء في بيئتنا له حسابات، وكل شخص مؤثرا لترابط الناس وحرصهم على بعضهم. وقد نشأت في أسرة كبيرة في عددها وقوية الترابط فيما بينها ولها علاقات وصلات اجتماعية ووطنية وثيقة مع أطراف كثيرة في مجتمعنا المحلي وفي عموم مناطق المملكة واليمن والخليج، وتتحمل في ذلك الشأن مسؤوليات مهمة، وكان لهذا الواقع الأثر الكبير في تكوين شخصيتي ورؤيتي للناس وللأمور، ولذلك كنت ومازلت قريبا من الناس ومن الأحداث، وقد استوعبت جيدا ما كان يدور من أحداث وتيرتها سريعة في الشؤون الاجتماعية والأمنية والسياسية وسجلت ذاكرتي مخزونا هائلا من المواقف، وقد تفتحت مداركي منذ الصغر في منزل جدي الشيخ جابر أبو ساق ــ رحمة الله عليه ــ، وكان منزله وضيافته مقصدا للناس من كل مكان وجلست في مجلسه ومجالس أعمامي وشهدت فيها مناسبات اجتماعية كبيرة وكثيرة تعد محطات وسجلا لماضينا وواقعنا الاجتماعي، وبعد وفاة جدي في عام 1966م عن عمر يناهز المائة عام خلفه أكبر أبنائه عمي شرفي أبو ساق الذي عرف أيضا بحكمته وحبه لإصلاح ذات البين وفراسته في فهم قضايا المجتمع وتضلعه في معرفة أنساب القبائل، وقد حظي بثقة كبيرة في مجتمعنا وتوفي عمي شرفي سنة 2000م، ثم خلفه عمي علي الذي يناهز المائة عام اليوم وعرف بشجاعة رأيه وذاكرته الحديدية باعتباره شاهدا ومشاركا في تأسيس المملكة وتوحيد أطرافها، حيث كان يسافر من نجران إلى الرياض على ظهور الجمال قبل توحيد المملكة، وهو خير من يصور ذلك الكفاح وتلك الجهود الجبارة للملك المؤسس ورجاله المخلصين في جميع مناطق المملكة، وكان والدي وأعمامي وكثير من أقاربنا وأبناء مجتمعنا الوفي خير عون لجدي ولبعضهم البعض في مسؤوليتهم الاجتماعية.

تحدينا نقص المدارس
• وماذا تقول عن مراحل التعليم والدراسة المبكرة؟
- بدأت الدراسة ولم يكن في نجران غير مدرستين حكوميتين فقط تقعان في البلد القديم بنجران (أبا السعود) هما المدرسة السعودية والمدرسة الفيصلية، وتبعد أكثر من اثني عشر كيلومترا عن منازلنا وكانت الطرق المؤدية لها وعرة وشاقة، وعانيت كما عانى الكثير غيري من أبناء جيلي؛ لسبب عدم توفر المدارس بقرب منازلنا وصعوبة الوصول إليها يوميا، وقد تمكنت ومن كانوا في سني من إتمام قراءة القرآن الكريم في (الكتاتيب) وتعلم القراءة والكتابة على يد معلم خاص بنفس الطريقة التقليدية التي يتعلم فيها الأبناء عبر العصور، وكان من النادر أن يدخل طالب ليبدأ الدراسة إلا وقد تعلم القراءة والكتابة وحفظ بعض أجزاء القرآن من خلال ذلك التعليم التقليدي في القرى، وحين التحقنا بالمدرسة الفيصلية في أبا السعود سنة 1384هـ/ 1964م، كنا نواجه صعوبة كبيرة في الوصول إليها فجميع الطرق ليست ممهدة أو معبدة، بل ليست الطرق مخططة كشوارع أو اتجاهات رئيسية، بقدر ما هي أرض مفتوحة يتسابق فيها سائقو السيارات، ولم يكن لدى الآباء سيارات مخصصة لمدارس أبنائهم ومن لديه سيارة فحاجتها في شؤون أخرى أهم من نقل الطلاب، ونادرا ما تتيسر لنقل الطلاب، وفي تلك الفترة كنا أكثر حظا ممن سبقنا بسنوات قليلة حيث استفدنا من الخدمات الجليلة التي وفرتها لنا قيادة الجيش السعودي والحرس الوطني الذين خصصت لأبنائهم سيارات تنقلهم إلى المدارس وشملنا ذلك الكرم حيث تتوقف سياراتهم لمن في طريقها من الطلاب أبناء الأهالي. وبالمناسبة كان ذلك ترفا لا بعده رغم أنها شاحنات نقل عسكري رفيعة ومكشوفة وغير مخصصة للركاب وبالذات صغار السن مثلنا، إلا أنها حلت أزمة كبيرة بالنسبة للطلاب وأهاليهم، وكنا غالبا نقطع نصف المسافة أو بعضها سيرا على الأقدام حتى تتوقف بعض السيارات لتوصلنا إلى المدارس أو إلى أقرب نقطة من بيوتنا عند نهاية الدراسة. ولو عدنا اليوم وتتبعنا مسار الطلاب أبناء جيلي ورحلتهم في الصباح وفي آخر النهار من وإلى البيوت والمدارس وما فيها من مشاق ومسافات سيرا على الأقدام لما صدق ذلك جيل اليوم.

مشاركة الآباء في المسرح
• وكيف كانت أحوال المدارس وبيئتها؟
- كانت المدارس في مبان طينية مستأجرة، والعمارة النجرانية فيها جودة وسعة في البناء، وهي تلائم ذلك الزمن مع عدم وجود ملاعب مخصصة للرياضة رغم توفر الساحات المفتوحة بالقرب من المدارس وفي كل مكان، وهنالك ثلاثة أمور يمكن استعراضها بسرعة، وهي المعلمين وقد كانوا غالبا من فلسطين وقليل من السعوديين ومع مرور الزمن جاء السوريون ثم المصريون وتزايدت أعداد السعوديين، والأمر الثاني أن المسرح كان شأنا مهما وجزءا من العملية التعليمية والتربوية حيث كانت المدارس تتنافس في إقامة المسرحيات الهادفة التي يشارك فيها معظم الطلاب بأدوار مختلفة ويسهمون في بناء المسرح وإعداد ما يلزم من تجهيزات ناهيك عن تنفيذ الأدوار المسرحية بحسب سيناريوهات العروض، وكان الآباء يشاركون في الحضور لأنها مناسبة محلية قيمة ومحترمة ولها شأن مهم وتوصل رسالة ثقافية للمجتمع المحلي عبر مضمون المسرحية، والأمر الثالث الذي كان شأنا مهما في مدارس نجران بعد أن زاد عددها في سنوات قليلة إلى أربع أو خمس مدارس كان المنافسات الرياضية في فترة معينة في كرة القدم وكرة السلة حيث حظيت باهتمام كبير من مكتب الإشراف على المدارس ومن مديري ومدرسي المدارس، وعندما يتم موسم المباريات النهائية كان بعض الآباء يتوافدون لتشجيع فريق مدرسة أبنائهم بشكل حماسي ساهم في زيادة اللحمة الاجتماعية والتواصل بين الناس زيادة على ما كان في الرياضة من متعة ومنافسات وإيجابيات.
• وهل تحدثنا عن أبرز الأحداث النجرانية التي لا تزال في ذاكرتك؟
- لقد كسبت من نشأتي في نجران أنني كنت شاهدا على الأحداث والتغيرات العديدة بما فيها من تحديات اجتماعية وإدارية وسياسية، وتلك شؤون فيها قصص وأمثلة وأرقام تحتاج إلى مساحة طويلة للحديث عنها في مجالات كثيرة، وأستطيع أن أقول إن الـ(12) سنة للفترة ما بين 1962م إلى 1973م، قد شكلت أساس نشأتي وأثرت في مستقبل حياتي بما فيها من أحداث ومتغيرات سريعة وجذرية، وهي الفترة التي شكلت تغيرا وتطورا تنمويا كبيرا في نجران، ولقد اندلعت في تلك الفترة (1962م) حرب أهلية في اليمن قامت على إثرها الجمهورية اليمنية، وكانت نجران أحد أهم المسارح المتأثرة بها، وحدثت كذلك أزمة أخرى في ما كان يسمى بدولة اليمن الجنوبي انتهت بخروج الانتداب البريطاني وقيام حكومة اليمن الجنوبي، وكان من الطبيعي أن تتأثر نجران بما كان يدور باليمن من أحداث سياسية وحربية نظرا لما يفرضه واقع الجوار، ومع اهتمام الدولة حينذاك بتطوير القدرة الدفاعية لها لحماية الحدود بما تضمنه ذلك من نشر وحدات عسكرية متطورة من الجيش والحرس الوطني، دخلت نجران مرحلة جديدة من التخطيط العمراني الحديث بإنشاء مدينة نموذجية جديدة وسميت بالفيصلية وانتقلت إليها دوائر الحكومة التي كانت في أبا السعود عاصمة نجران التاريخية.

المستشفى الدولي
ونظرا لكثرة الجرحى اليمنيين بحكم طبيعة الحرب فقد أنشئ مستشفى دولي جنوب شرق نجران الذي مثل نقلة نوعية لنجران وأهلها حيث استفادوا من المستشفى في العلاج ومكافحة بعض الأمراض المستوطنة، فضلا عن تأثير المستشفى الثقافي على المجتمع بما كان يضمه من جنسيات مختلفة تمثل ثقافات متنوعة من جميع أنحاء العالم.

كتابي رصد وتحليل
• نظرا لاهتمامك وقراءاتك للتاريخ النجراني، فهل تعطينا لمحة عن كتابكم القيم عن نجران؟
- شكرا لكم، الكتاب يحمل عنوان: (نجران: نجراميتروبولس ومدخل إلى نجران الحديثة 24 ق.م - 1994م)، ومضمونه في الواقع ليس عن منطقة نجران بمفهومها الحديث بقدر ما هو رصد وتحليل لأبرز مكونات شخصية نجران بين المكان والزمان والإنسان، وبالتالي فهو ليس مخصص للمنطقة الإدارية بحسب أحوالها الحديثة، لأن فيه إضاءات عن أخبار نجران ما بين عام 24 ق.م وعام 1994م تقريبا.

محطات مشواري العسكري
• حدثنا عن مسيرتك في الالتحاق بالعمل العسكري، وأهم محطات دراستك العسكرية؟
- كان التحاقي طالبا بالمدرسة العسكرية بالحرس هو أهم محطة في حياتي العملية، والتحقت بها طالبا عسكريا في عام 1373م (تحولت إلى كلية الملك خالد العسكرية في 1982م) وتعلمت فيها الكثير على أيدي رجال مخلصين من أبناء المملكة من الضباط والأفراد، فقد عرفت المدرسة العسكرية ببرنامجها التدريبي الصارم بما فيه من تطبيقات ميدانية طويلة زمنيا ومتعددة جغرافيا، ناهيك عن برامج الانضباط العسكري الصارمة التي غرست في نفوسنا حب المهنة العسكرية واحترافها، وهيأتنا لتحديات المستقبل وتعلمنا فيها أجمل معاني الزمالة والانتماء للوحدة وحب الحرس الوطني وحب الوطن، والإيمان بأهمية التضحية من أجل أمنه وعزته، وكان تخريج ضباط الحرس الوطني وتجنيد رجاله وتأهيلهم ورفع رايات وحداته يستمد من رؤية حكيمة وعزيمة قوية هي رسالة رئيس الحرس الوطني آنذاك الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي كان ولايزال الرمز لكل معاني الفروسية والشجاعة والإنسانية. وبتنفيذ أمين وحازم من الأمير متعب بن عبدالله الذي قدم لهذه المؤسسة من وقته وجهده الكثير، وبينه وبين الحرس والوطني وضباطه وأفراده قصة حب لا تنتهي.
• وماذا عن دراستكم في الخارج؟
- كان لدي رغبة أكيدة في سرعة تعلم اللغة الإنجليزية، ودرست في دورتين قصيرتين في بريطانيا في عطلتي صيف متتاليتين، ولكنها تركت في نفسي وثقافتي الأثر الكبير نحو بناء مستقبلي، وبعد بريطانيا درست اللغة الإنجليزية في معهد فلوريدا للتكنلوجيا في مدينة ميلبورن على الساحل الشرقي بفلوريدا الأمريكية، وجامعة تامبا بفلوريدا التي أكملت فيها مقرر اللغة ودرست فيها أيضا بعض الدورات في المجال العسكري في صفوف مركز تدريس ضباط الاحتياط بالجامعة، ودرست فصلا دراسيا قصيرا في مدينة جاكسون فيل بفلوريدا، وفي مدرسة الدروع بولاية كنتاكي الأمريكية حصلت على دورة ضباط الدروع التأسيسية ودورة صيانة الآليات لصغار الضباط ودورة الدروع المتقدمة في ولاية كنتاكي الأمريكية ما بين 1983 و1985م، ودرست في سنوات لاحقة في كلية القيادة والأركان العامة بالجيش الأمريكي في قاعدة ليفنوورث بولاية كانسس الأمريكية حيث تخرجت عام 1993م، وهي كلية تركز على تعليم الضباط في المستوى القيادي المتوسط وتمنحهم الكثير من مهارات التخطيط العام والتنسيق المشترك والقيادة، وشهادتها معادلة لدرجة الماجستير في الإدارة الاستراتيجية، وكانت دراستي المدنية العليا في جامعة شبنس بورغ الحكومية بولاية بنسلفانيا الأمريكية، وفي كلية الحرب بالجيش الأمريكي بولاية بنسلفانيا، تخرجت بشهادة (الزمالة الدولية).

المكاسب المعنوية والشخصية
• حدثنا عن مسيرتك العملية منذ تخرجكم من المدرسة العسكرية وحتى اليوم؟
- الحمد لله أن منحني الكثير من الحظ، فكانت مسيرتي العملية في الحرس الوطني محاطة بمجتمع وفي له من النخوة والزمالة ما ساعدني على تحقيق كثير من طموحاتي لخدمة الحرس الوطني وخدمة وطني وتحقيق كثير من المكاسب المعنوية الشخصية، عملت في المدرسة العسكرية بمدارس الحرس الوطني ثم انتقلت إلى كلية الملك خالد العسكرية لما يقارب ثلاثة عشر سنة وبعدها إلى لواء الأمير سعد بن عبدالرحمن الآلي ركنا للعمليات ثم قائد لكتيبة المشاة السادسة والثلاثين باللواء، وانتقلت بعد ذلك إلى وزارة الحرس الوطني وعملت لأكثر من أربع سنوات مديرا للتدريب بالحرس الوطني.

الحرس الوطني في دمي
• وماذا عن الحرس الوطني، وأنت عسكري سابق، هل بقي في وجدانك شيء من تلك المشاعر العسكرية التي عرف بها محمد أبو ساق؟
- من حسن حظي أنني وأبناء جيلي من جنود الحرس الوطني كنا شهودا على مراحل متميزة من قفزات الحرس الوطني التطويرية. لقد دخل الحرس الوطني في رحلة بناء وتطوير بدءا من عام 1962م حين تولى الملك عبدالله بن عبدالعزيز رئاسة الحرس الوطني. وفي عام 1974م انطلقت أهم مرحلة تطوير في تاريخ الحرس الوطني وهي التي تشرفت بالاستفادة منها وراقبتها وشاركت فيها عن قرب، وتحول الحرس الوطني إلى أسلحة مشتركة فيها كل صنوف الأسلحة والمعدات من مدرعات حديثة ومدفعية ودفاع جوي وطيران مسنودة بأحدث وسائط الدعم اللوجستي.

حوارات الشورى ليست معارك
• عينت في مجلس الشورى، فكيف ترى تجربتك في المجلس، وماذا اكتسبت منها؟
- أشعر بالاعتزاز بمشاركتي في مجلس الشورى وأكرر الشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز على ترشيحي لعضوية المجلس في ثلاث دورات متتالية بدءا من الدورة الرابعة للمجلس. وقبل عضويتي بالمجلس لم أكن أتصور طبيعة عمل المجلس ولا حجم مشاركاته الوطنية، وأعتقد أن هنالك توجها لتطوير آليات تفاعل المجلس مع المجتمع ومع وسائل الإعلام ليتمكن المجلس من عرض طبيعة عمله ومداولاته في الشؤون الوطنية عرضا واضحا ومؤثرا.
• خضت سجالات عدة من تحت قبة مجلس الشورى، هل كانت جميعها ناجحة؟
- أصدقك القول بأن حواراتنا في المجلس لا تعد بمثابة معارك أو سجالات، ومهمة عضو مجلس الشورى حساسة جدا وتشكل للعضو تحديات حقيقية من حيث إن العضو مسؤول أمام الله سبحانه وتعالى ثم ولي الأمر الذي عينه وأخذ عليه قسم الولاء والإخلاص والصدق في خدمة الوطن وكافة شؤونه، وهنا يكمن التحدي، ومن الطبيعي جدا ومن الإيجابي والصحي أن ترى اختلافات كبيرة في وجهات النظر وتشاهد حالات كثيرة من الانقسام في الرأي حول قضايا وطنية سواء كانت أنظمة جديدة أو معدلة لها مساس بشؤون الوطن وأحوال المجتمع.
الانحياز للعسكريين

• يقال إن خلفيتك العسكرية جعلتك تنحاز للعسكريين، هل هذا صحيح، أم أن طبيعة عملك فرضت عليك أن تكون ملما بالقضايا الأمنية أكثر من غيرها؟
- من الطبيعي للشخص أن يميل نسبيا إلى ما يعرف أكثر مما لا يعرف. ولكني اجتهدت كثيرا منذ السنة الأولى وكونت قناعات مبنية على فهمي الدقيق لنظام المجلس وقواعد عمله وأعرافه وأدركت بأن مسؤوليتي شاملة ووطنية وغير محدودة أو متخصصة قدر الإمكان.
• بصراحة، كيف تنظر إلى عضوية المرأة في مجلس الشورى، وهل أتيحت لها الفرصة كاملة لأن تكون ندا للرجل في طرح القضايا التي تهم الوطن والمواطن؟
- سوف أجيبك بكل ثقة وقناعة. فأنا أقول لك إنني أعتز جدا بأن عينت ضمن قائمة أعضاء الدورة السادسة لمجلس الشورى التي سجلت فارقا وطنيا مشهودا ونقلة اجتماعية وسياسية بدخول المرأة وللمرة الأولى كعضو كامل العضوية في المجلس بعد أن ساهمت في دورات سابقة كمستشارة للمجلس. والشكر بعد الله لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي حققت رؤيته في الحكم وإدارته للدولة قفزات كبيرة ومن أهمها مشروعه التنموي والإصلاحي في شتى المجالات وكان للمرأة منها نصيب وافر، وبالنسبة لتكافؤ الفرص بين أعضاء المجلس، أقول لك بأن نظام المجلس وقواعد عمله لا تفرق بين الأعضاء من النساء والرجال وللجميع كامل الحرية في طرح رؤاهم عبر تقديم مشاريع الأنظمة أو التوصيات أو المداخلات والمشاركة كذلك في اللجان المتخصصة والخاصة والوفود وغير ذلك من أعمال المجلس.

إبهار الرجل في الخطابة
• ما الذي يعجبك في الآخرين؟
- أجدني متفقا تماما مع القول المنسوب للقائد العربي خالد بن الوليد: «عقول الرجال على أسنة أقلامهم لا على أسنة رماحهم». وقد جعلت هذا القول شعارا لمجلة كلية الملك خالد العسكرية التي تشرفت برئاسة تحريرها لأكثر من عشر سنوات كوظيفة أخرى إلى جانب وظائفي في الكلية. وفي الوقت نفسه يستوقفني كثيرا قول نابليون بونابرت: «لا يبهر الرجال في رجل آخر أكثر من قدرته على الخطابة»، ولأنني جئت من مهنة عسكرية فإني مؤمن بأهمية هذا القول لأن كثيرا من أعمالنا الميدانية والإدارية تعتمد على الرسالة الشفهية سواء كانت مباشرة أو من خلال وسائل اتصال.
• وهل يؤثر هذا ايجابا أو سلبا في الأعمال الإدارية، مدنية كانت أو عسكرية؟
- طبعا للخطابة والكتابة فعل السحر حينما تكون دقيقة وفاعلة وموجهة التوجيه الأفضل نصا وإلقاء. ولا فرق بين المؤسسة العسكرية والمدنية في هذا الخصوص لأن الأسس القيادية والإدارية متشابهة بغض النظر عن اختلاف الواجبات والمهام.

النجاح فلسفة شخصية
• في سطور.. ماذا تعني لك هذه الأشياء: الصداقة:
- هدية يقدمها الإنسان لنفسه حين يحسن كسب الآخرين.
• هل لك أصدقاء؟
- بالطبع وعددهم كثير وبنيت بوفائهم قصورا مشيدة في مدن ودول وتتضاعف أفراحي وسعادتي بقضاء بعض أوقاتي في سفري واستقراري مع الأصدقاء، ومنهم من ينطبق عليهم القول: «رب أخ لم تلده أمك».
• التحدي:
- نوع من المغامرة المحسوبة، وهو المحاولة الجادة بعزيمة وإصرار. وجمال التحدي في الإحساس بالإنجاز لأنه سمة الناجحين ولولاه لما عشنا ثمار الإبداع والقفزات المذهلة في شتى المجالات في هذا العصر، ولما وصلت الدول إلى القمر وإلى الفضاء الخارجي.
• السعادة:
- أراها حالة الاستمتاع بالمكتسبات المعنوية والمادية والقدرة على التكيف مع الواقع بقناعة وبتفاؤل وأريحية. ولا يمكن لأحد أن يسافر إلى السعادة أو يتملكها أو يرتديها لأن السعادة تنسل إليك حين تتوفر لها في روحك معطيات وقناعات، والسعادة حالة تتحقق بإرادة الإنسان وعزيمته وإيمانه بالله وقناعته بما منحه الله، ولا ترتبط بمكاسب مادية أو علاقات اجتماعية.
• النجاح:
- يعد النجاح شأنا نسبيا. فقد يكون النجاح بالفوز بأعلى المعايير في شأن معين، وقد يكون النجاح عند الحد الأدنى، والمعول عليه هو فلسفة الشخص ورؤيته الشخصية لمستوى النجاح المأمول.
• الحرب:
- يمكن أن يقال عن الحرب الشيء الكثير عن عدالتها وأنواعها ومستوياتها وخططها وأسلحتها واقتصادها وتبعاتها ودخانها وضبابها وغير ذلك الكثير. وقال عنها الفيلسوف الصيني صن تزو: «الحرب مسألة في غاية الأهمية بالنسبة للدولة، إنها قضية حياة أو موت، وهي الطريق إلى البقاء أو الدمار». وعرفها فيلسوف السياسة والحرب البروسي كلاوزفيتز قائلا: «تعد الحرب استمرارا للسياسة بوسائل أخرى أشد عنفا».
• الحب:
- أستطيع القول بأنه وقود الحياة وألوانها، وطعمها، ورائحتها، وهو أجمل ما في الحياة. والحب حالة تؤدي للشعور بالتفاؤل ورؤية الأشياء بمنظار محب ومتسامح. وهو مفتاح الوصول إلى قلوب الناس وعقولها. ومن حرم الحب بأشمل معانيه، كان حظه في النجاح وفي السعادة قليل، ويصبح النجاح في أفضل مراتبه حين تكسب قلوب الناس وعقولها، وهذه خاصية مهنية تحتاج لصدق وتضحيات وأمانة في محبة الناس.

الثقة أفضل من الحب
• وهل نستطيع رؤية الحب؟
- في قناعتي أنه من الصعب رؤية الحب ويصعب وصفه أيضا، وهو مثل الرياح الصافية لا تراها، لكنك تشعر بها حولك، فتتأثر بها طالما أنها تهب في محيطك.
• أيهما أفضل، الثقة أم الحب؟
- أرى أن الثقة أفضل من الحب، فليس بإمكانك دائما أن تثق بمن تحب، ولكنك ستحب من تثق به.
• يتحدثون عن الحرب والحب، فهل من شبه بينهما؟
- نعم، بين الحرب والحب شبه، وهو أنه لا يمكن لك أن تجربهما لتقرر إن كنت قادرا على خوضهما، فإما أن تحارب أو لا تحارب، وإما أن تحب أو لا تحب، وليس بين الخيارين مجال وسط لمجرد التسلية أو التجربة، فالحرب والحب مثل شعلة النار الملتهبة، لا تعرف خجلا أو ترويضا.

اضف هذا الموضوع الى:
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3336026