أسباب الطعن في نسب الفاطميون لدى عباس محمود العقاد
خاص: صوت الأخدود - 13 / 4 / 2007 م - 7:30 م
عباس العقاد
عباس العقاد
  • يعتبر عباس محمود العقاد من أهم الأدباء المصريين في العصر الحديث ان لم يكن أهمهم وقد ولد في أسوان في 28/6/1889، وهو صاحب سلسلة العبقريات الإسلامية التي تناولت بالتفاصيل سير أعلام الإسلام، مثل: عبقرية محمد، عبقرية الصديق، عبقرية عمر، عبقرية عثمان، عبقرية الإمام علي ، وغيرها.. ومن أهم مؤلفاته أيضا: الفلسفة القرآنية، والله، وإبليس، الانسان في القران الكريم ومراجعات في الأدب والفنون.. وكان العقاد يسعى ان يكون منصفا في بحوثه عن آل البيت فألف عددا من الكتب حول فاطمة والفاطميون حيث نترككم مع هذا المقتطف مما أورده في كتابه "فاطمة الزهراء والفاطميون" حول الطعن في نسب الفاطميون:

الدعوى المنتظرة هي اقوى الدعاوى، وهي كذلك - ومن اجل ذلك - أضعفها وأولاها بالتشكك والمراجعة.
والمقصود بالدعوى المنتظرة كل دعوى تمليها البواعث النفسية أو البواعث السياسية والاجتماعية، وهي قوية لأنها لا  تأتي عفوا ولا يكتفي المدعون فيها بابدائها وترك السامعين وشأنهم في قبولها أو الإعراض عنها، بل هم يدعونها ويحتالون على ايرادها مورد الصدق وتمثيلها في صورة الكلام السائغ المحقق، ثم يكررونها ويلحون في تكريرها ويتحينون الفرص لنشرها في مظان الاصغاء اليها والرغبة في اثباتها.
واذا كانت البواعث التي تمليها متعددة متجددة كان ذلك خليقا ان يزيدها قوة على قوة والحاحا على الحاح، فهي تتوارد من جهات كثيرة وترجع إلى الظهور كرة بعد أخرى، كلما خيف عليها ان تضعف، وكلما تعاظم الرجاء في التحدث بها والالتفات إليها، ان الدعوى المنتظرة قوية من أجل هذا ..
وهي من اجل هذا بعينه ضعيفة متهمة ..

وقد كان اتهام الفاطميين في نسبهم دعوى منتظرة، وكانت البواعث إليها متعددة متجددة، فلا جرم تكون في وقت واحد أقوى الدعوات ثم لا تلبث أن تعود أضعف الدعوات.

لأن البواعث التي تمليها تريب السامع حين تكشف له، وقد يكون الالحاح فيها مشككا لمن يسمعها وكاشفا للغرض والهوى من ورائها.
واذا تعددت البواعث كان ذلك أحرى أن يسوق التناقض والاختلاط إلى الروايات والأقاويل، فلا يتفق مروجوها على اختراعها ولا على نقلها، ومن لم يكن منهم مخترعا لروايته لم يجهد ذهنه في التوفيق بين النقائض والتقرب بين الأسانيد، فتصاب الدعوى بالضعف من جراء تعدد البواعث كما تأتيها القوة والمثابرة لهذا السبب، وتخسر من هنا كما تكسب من هناك ..
وقد كان اتهام الفاطميين في نسبهم دعوى منتظرة، وكانت البواعث إليها متعددة متجددة، فلا جرم تكون في وقت واحد أقوى الدعوات ثم لا تلبث أن تعود أضعف الدعوات.
كان الفاطميون يطلبون الخلافة ويعتمدون في طلبها على النسب وكانوا يهددون بمساعيهم في طلب الخلافة خصوما كثيرين يملكون الدول في المشرق والمغرب ولا يريدون النزول عما ملكوه، أو لايريدون بعبارة أخرى أن يسلموا للفاطميين صحة النسب الذي يعتمدون عليه .
فلم يكن أقرب إلى الذهن من مهاجمتهم في نسبهم وتجريدهم من الحجة التى يريدون بها مسعاهم، فهذه هى الدعوى المنتظرة التي تعددت بواعثها في المشرق والمغرب وتوافقت الأغراض على ترويجها وتثبيتها بين الخائفين على عروشهم من نسب الفاطميين، وكلهم ذوو سلطان وذوو براعة وافتنان، ومن ورائهم من يرغبون في بقائهم أو يتلقون دعواهم
بالتصديق والايمان ..
كان الفاطميون يطلبون الخلافة ويعتمدون في طلبها على انتسابهم الى النبي عليه السلام، وكان هذا النسب حجة معتمدة لا يمارى فيها الاكثرون من اتباع الدول الاسلامية الذين تسرى بينهم دعوى آل البيت، غير مستثنى منهم اتباع الدولة العباسية في ذلك العهد على الخصوص، وهو عهد النقص والادبار الذي يكثر فيه طلاب الزوال أو طلاب العلل بالحق وبالباطل، وعلى الانصاف الواضح او على الجور الصراح.

كان مصير الخلافة الى الفاطميين نذيرا بزوال عروش كثيرة، منها عروش العباسبين في بغداد والأخشيديين في مصر والأغالبة في افريقية الشمالية والأمويين في الأندلس، والأمراء الصغار المنبثين في هذه الرقعة هنا وهناك ممن يطيب لهم القرار على ما هم فيه ولا يطيب لهم التبديل والانتقال ..

كان مصير الخلافة الى الفاطميين نذيرا بزوال عروش كثيرة، منها عروش العباسبين في بغداد والأخشيديين في مصر والأغالبة في افريقية الشمالية والأمويين في الأندلس، والأمراء الصغار المنبثين في هذه الرقعة هنا وهناك ممن يطيب لهم القرار على ما هم فيه ولا يطيب لهم التبديل والانتقال ..
وكن هؤلاء الماكون غرباء عن أهل البيت ما عدا العباسيين، ولكن العباسيين في ذلك العهد خاصة كانوا أخوف الخائفين من نسب الفاطميين، بعد أن كانت دعوة أهل البيت تشملهم أجمعين منذ ثلاثة قرون.
عندما ضعفت دولة بني امية قويت دعوة آل البيت التي كان يقوم بها العلويون والعباسيون ولكن العباسيين اخذوا بزمام الدولة الجديدة على اعتقاد الأكثرين انهم كانوا يدعون الى خلافة العلويين أبناء فاطمة وعلي احق الناس باسم آل البيت في رأي اتباع الدولة الجديدة، وبلغ من ايمان اتباع الدولة الجديدة بهذا الرأي أن خلفاء بني العباس أظهروا العزم على الوصاية بعدهم لولاة عهد العلويين، كما فعل الرشيد والأمين. استحكم العداء بين بني العباس وبني علي حتى لجأ الأئمة العلويون الى الاختفاء وشاعت يومئذ العقيدة في الامام المستور، ثم شاعت الدعوة الى العلويين باسم الفاطميين لأنها أقرب الدعوات الى بنوة محمد عليه السلام. فقد يقال ان العباسيين أبناء العباس عم النبي وان العلويين ابناء علي ابن عمه أبي طالب. اما الانتماء الى فاطمة الزهراء، فهو انتماء الى بيت النبي نفسه، وليس الى الأعمام ولا آبناء الأعمام.
فى أوائل الدولة العباسية، كانت دعوة آل البيت تشمل العلويين  والعباسيين، وكان الخلاف يسيراً من الفريقين على أمل التوفيق بينهما  بعد حين، وكانت قوة الدولة في نشأتها تصمد لهذا الخلاف الذي هان أمره ولم يبلغ أشده في اول عهده، وكان يكفي أن يقال عند اشتداده ان وراثة الأعمام اقرب من وراثة ابناء الأعمام.
 ولكن الدولة العباسية بقيت حتى تضعضعت وكثر الساخطون عليها والمتبرمون بها والراغبون في زوالها، وكثر شهداؤها من آل البيت أبناء علي وفاطمة، وزال عنها عطف العاطفين عليها لقرابتها من بيت النبوة، فتحول عطفهم الى الشهداء المظلومين المشردين في أرجاء البلاد، واصبح تشردهم الذي يظن به أنه يضعفهم مددا لهم من أمداد العطف والولاء، وأصبحت دعوة  "الفاطميون" وقفا على هؤلاء المشردين.
المظلومين لا يشركهم فيها العباسيون، لأن العباسين هنا الخصوم المحاسبون على الظلم والنكال واختلال حبل الأمور.
 ومن الفاطميين هؤلاء  يأتي الخطر الأكبر على بني العباس، ومن نسبتهم إلى فاطمة الزهراء يأتي امتيازهم بحق الخلافة وبهذا الحق يطلبون النصفة للشهداء والمضطهدين، فأي شيء أقرب إلى مألوف السياسة من دفع هذا الخطر بإنكار هذا النسب، ومن حصر الولاء لأهل البيت في اقائمين بالأمر من بني العباس ؟

وقد أنكر العباسيون نسب الفاطميين وزعموا أنهم ينتسبون إلى ميمون القداح بن ديصان الثنوي القائل بالإلهين، وتلقف التهمة كل ناقم على الفاطميين وهم صنوف ينتمون الى كل مذهب ونحلة منهم كما أسلفنا الأخشيديون والأغالبة والأمويون الأندلسيون،

وقد أنكر العباسيون نسب الفاطميين وزعموا أنهم ينتسبون إلى ميمون القداح بن ديصان الثنوي القائل بالإلهين، وتلقف التهمة كل ناقم على الفاطميين وهم صنوف ينتمون الى كل مذهب ونحلة منهم كما أسلفنا الأخشيديون والأغالبة والأمويون الأندلسيون، وزاد عليهم من كان تابعا للفاطميين ثم تمحل لمعاذير للخروج عليهم كوالى مكة وبعض رؤساء العشائر في الجزيرة العربية، بل قيل فيما قيل أن أناسا من العلويين شهدوا عليهم بادعائهم النسب في علي وفاطمة عليهما السلام.
ونسب إلى الشريف أبي الحسين محمد بن على المشهور بأخى محسن الدمشقي رسالة في تفنيد دعواهم ينكرها المقريزي وينسبها إلى عبد الله بن رزام ..
ويروي عن سبب نشاط القادر بالله إلى كتابة الأشهاد ببطلان نسب الفاطميين انه مسع أبياتا نظمها الشريف الرضي يقول فيها :
ما مقامي على الهوان وعندي = مقول صارم وأنف حَمِيُّّّ
أحل الضيم في بلاد الأعادي = ومصر فيها الخليفة العلوي
من أبوه أبي ومولاه مولا = ي إذا ضامني البعيد القصي
لف عرقي بمعرقة سيدا النـ = ـاس جيعاً محمد وعلي
أن ذلي بذلك الجد عز = وأوامي بذلك الربع ري
 فأرسل الى أبيه الشريف أبي احمد الموسوي يقول : انك قد عرفت منزلتك منا وما تقدم لك في الدولة من مواقف محمودة ولا يجوز أن تكون أنت على خليفة ترضاه ويكون ولدك على ما يضاد ما لا نزال عليه من الاعتداد بك لصدق الموالاة منك، وقد بلغنا أنه قال شعراً -هو هذه الأبيات- فيا ليت شعري على أي مقام ذل أقام وهو ناظر في النقابة - نقابة الأشراف – والحج، وهما من أشرف الأعمال، ولو كان بمصر لكان كبعض الرعايا.
 فأحضر أبو أحمد ولده الرضي فأنكر الشعر، فأمره أن يكتب بخطه أني القادر بالاعتذار وانكار نسب الحاكم بأمر الله، فأبى، فقال له آبوه : " أتكذبني في قولي ؟" فقال : « كلا ما اكذبك، ولكني أخاف من الديلم ومن الدعاة في البلاد" فقال له أبوه : " أتخاف من هو بعيد عنك وتسخط من هو قريب منك ... وهو قادر عليك وعلى أهل بيتك؟ ..." وغضب ابوه وحلف لا يقيم معه في بلد ، فلما بلغ الأمر بينهما هذا المبلغ حلفه الرضي انه لم يقل تلك الأبيات وكتب بخطه في محضر الإنكار، وشاع الزعم بعد كتابة ذلك المحضر ان المهدي الفاطمى لم يكن يسمى عبيد الله، وان اسمه الصحيح "سعيد بن احمد بن عبد الله القداح بن ميمون بن ديصان" ..
وقد اختلفوا في نسبته تارة إلى المجوس وتارة إلى اليهود .. واختلفوا في الجد الذي كان مجوسيا أو يهوديا فقيل أن عبيد الله كان ابن حداد يهودي مات عن زوجة فبنى بها الحسين بن أحمد بن عبد الله بن ميمون وتبنى عبيد الله، وقيل أن عبيد الله قتل في سجن سجلماسة بالمغرب فأشفق داعيه (أبو عبد الله الشيعي) فسماه عبيد الله وبايعه بالخلافة وقيل أن أمة للإمام جعفر الصادق علق بها يهودي فولدت منه عبيد الله ونشأ في بيت الإمام منتميا إلى أهل البيت.

أن المطاعن لم تمسسه بدليل واحد يعول عليه، وأن مطاردة عبيد الله عند اتجاهه إلى المغرب دليل على ان العباسبين أنفسهم كانوا يخشون دعوته، وان مبايعة الشيعة لآبائه -سواء شيعة الديلم في بغداد أو شيعة الزيدية خاصة في اليمن- ترجح صدق انتسابهم إلى السيدة فاطمة الزهراء

وقد كانت لهجة البيان العباسي غاية في العنف تنم على الغيظ وتخلو من الدليل، ومنه :
"أن هذا الناجم بمصر هو منصور بن نزار المتلقب بالحاكم - حكم الله عليه بالبوار والدمار - ابن محمد بن إسماعيل بن محمد بن سعيد _ لا أسعده الله - وان من تقدمه من سلفه الأرجاس الأنجاس عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين خوارج لا نسب لهم في ولد علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، وان ما ادعوه من الانتساب إليه زور وباطل، وان هذا الناجم في مصر هو وسلفه كفار فساق زنادقة ملحدون معطلون، وللإسلام جاحدون، أباحوا الفروج وأحلوا الخمور وسبوا الأنبياء وادعوا الربوبية ..."
ولم يقصر المؤرخون المنكرون عن القوم في العنف والسباب فقال صاحب كتاب الروضتين في أخبار الدولتين عن الفاطميين ان المعروف عنهم أنهم :
"بنو عبيد وكان والد عبيد هذا من نسل القداح الملحد المجوسي. وقيل : كان والد عبيد هذا يهوديا من اهل سلمية من بلاد الشام، وكان حدادا، وعبيد هذا كان اسمه سعيدا، فلما دخل المغرب تسمى بعبيد الله وزعم انه علوي فاطمي، ثم ترقت به الحال الى أن ملك وتسمى بالمهدي، وكان زنديقا خبيثا عدوا للإسلام متظاهرا بالتشيع مستترا به حريصا على إزالة الملة الإسلامية. قتل من الفقهاء والصالحين جماعة كثيرة، وكان قصده إعدامهم من الوجود ليبقى العالم كالبهائم فيتمكن من افساد عقائدهم، ونشأت ذريته على ذلك منطوين يجهرون به إذا أمكنتهم الفرصة وإلا سروه، والدعاة منبثون لهم في البلاد، وبقى هذا البلاء على الإسلام من أول دولتهم الى آخرها، وفى أيامهم كثرت الرافضة وأفسدت عقائد طوائف من أهل الجبال الساكنين بثغور الشام، وأخذت الافرنج أكثر البلاد بالشام  والجزيرة إلى أن من الله على المسلمين بظهور اليبت الاتابكي وتقدمه مثل صلاح الدين فاستردوا البلاد وأزالوا هذه الدولة ".

وظاهر بغير عناء أن الوثيقة العباسية لا قيمة لها من الوجهة التاريخية، لأن الذين وقعوها من الأشراف العارفين بالأنساب قد أكرهوا على توقيعها، ومن وقعها غيرهم من فقهاء القصر والحاشية لم يكن أحد منهم حجة في مسائل النسب والتاريخ، وقد أضعفوا دعواهم غاية الضعف بنسبة جد الفاطميين الى ديصان الثنوي وهو من أبناء القرن الثالث للميلاد

ومن اعتدل من المؤرخين في الإنكار والسباب، كابن خلكان، أيد التهمة بالقصص التى تؤكدها لو انها ثبتت كالقصة التى اشتهرت عن سيف المعز وذهبه، وأن ابن طباطبا سأل المعز عند وصوله إلى مصر عن نسبه فسل سيفه، فقال : "هذا نسبي " ثم نثر عليهم الذهب وقال : " وهذا حسبي" وقنع منه الحاضرون بما سمعوه وشهدوه.
 وظاهر بغير عناء أن الوثيقة العباسية لا قيمة لها من الوجهة التاريخية، لأن الذين وقعوها من الأشراف العارفين بالأنساب قد أكرهوا على توقيعها، ومن وقعها غيرهم من فقهاء القصر والحاشية لم يكن أحد منهم حجة في مسائل النسب والتاريخ، وقد أضعفوا دعواهم غاية الضعف بنسبة جد الفاطميين الى ديصان الثنوي وهو من أبناء القرن الثالث للميلاد ذهب الى التوفيق بين المسيحية والزردشتية قبل البعثة الإسلامية بنحو أربعة قرون، ولم يظهر أحد بهذا الاسم على عهد العباسيين غير من يسميه المؤرخون حينا بديدان وحينا بزندان أو دندان ولا شأن له بنشأة الثنوية ولا بالدعوة إليها في قول أحد من أولئك المؤرخين، وإنما قيل عنه انه كان على ثروة كبيرة وعاون اسحاق بن إبراهيم بن مصعب على الثورة في عهد الخليفة المأمون.
وادعاء الموقعين للوثيقة أن خلفاء الفاطميين أباحوا المحرمات واستحلوا الموبقات لم يقر عليه دليل قط من وقائع التاريخ، بل ثبت من هذه الوقائع أن بعض هؤلاء الخلفاء اكتفى بزوجة واحدة ولم يبح لنفسه ما كان يباح في قصور الخلفاء من التسري واقتناء الاماء، وقد خولط الحاكم بأمر الهة في عقله فجنح إلى التنطس في الطعام وحرم المباح منه بدلا من إباحة الحرام ! ..
ولعله لايخفى على احد من النظرة الأولى قصة التبشيع والتشنيع في نسبة الفاطميين تارة إلى المجوس وتارة إلى اليهود، لأنه لا يكمن أن تسقط دعواهم في الخلافة حتى تسقط دعواهم في الإسلام وترجع نسبتهم إلى أبعد الملل عن الديانة الإسلامية في عرف ذلك العصر على الخصوص، ثم يقال عنهم ما لا يقال في جميع المجوس واليهود من إسباحة المحرمات والتهافت على الشهوات.

والمقريزي وابن خلدون قد أرخا للمهدي الفاطمي بعد عهده بزمن طويل - وهما سنيان غير متشيعين - ولكنهما نظرا في مطاعن أعدائه نظرة المؤرخ المحقق فلم يجدا فيها حجة مقبولة وقامت عندهما حجة النسب الصحيح مقام التغليب

والقصة التي رويت عن سيف المعز وذهبه غنية عن التكذيب، لأن ابن طباطبا الذي قيل انه سأل المعز عن نسبه عند وصوله إلى مصر قد توفي قبل مقدم المعز إليها بأربع عشرة سنة، وابن خلكان صاحب القصة هو الذي ذكر تاريخ وفاته فلم يكذب القصة بل قال : لعله أمير أخر ... مع ان اسم "المعز" هو الذي دار عليه مثل السيف والذهب المشهور، وليس من المعقول بأية حال أن يقيم الفاطميون دعواهم على النسب ثم يعجزون عن ذكر هذا النسب حين يسألون عنه، فكل جواب أيسر وأنفع من الجواب الذي وضعوه على لسان المعز لدين لله ولا معنى له إلا الاعتراف الصريح بأنه منحول النسب دعي في الخلافة ..
وقد روى ابن خلكان ايضا ان العزيز بالله صعد المنبر فوجد فيه ورقة كتب عليها هذه الأبيات"
أنا سمعنا نسباً منكراً = يتلى على المنبر في الجانع
أن كنت فيما تدعي صادقاً = فأذكر أبا بعد الأب الرابع
وأن ترد تحقيق ما قلته = فانسب لنا تمسك كالطائع
أو فدع الأنساب مستورة = وادخل بنا في النسب الواسع
فان أنساب بني هاشم = يقصر عنها طمع الطامع

فأن صحت هذه الرواية فالتحدي فيها بإظهار النسب قبل الأب الرابع صادر من خبير بموضع الخلاف، لأن تاريخ النسب قبل الأب الرابع يوافق التاريخ الذي عمد فيه الأئمة العلويون إلى الاختفاء والتنكر بأسماء غير أسمائهم وائتمان الدعاة دون غيرهم على اسرار ذريتهم وأولياء عهودهم ، وإنما العجيب في الأمر أن يكون العزيز بالله هو الذي يتحداه المتحدي بإظهار نسب كنسب  "الطائع"  العباسي، مع أن الطائع نفسه قد علم بكتابة وزيره عضد الدولة إلى العزيز وحمله الهدايا إليه واعترافه بنسبه وانه تلقى منه الشكر:

وقد اشار صاحب " الروضتين في أخبار الدولتين" إلى قيام الدولة الأيوبية بعد الدولة الفاطمية ولكنه يعلم أن صلاح الدين الأيوبي أذن بالخطبة في يوم الجمعة للخليفة الفاطمي، وانه انما حول الخطبة إلى الخليفة العباسي بعد وفاة العاضد أخر خلفاء الفاطميين،

 "لا خلاصه في ولاء أمير المؤمنين ومودته ومعرفته نحو إمامته ومحبته لآبائه الطاهرين"
وقد تواتر أن عضد الدولة هم بالخطبة في بغداد للخلفاء الفاطميون فرده أحد الدهاة من أصحابه عن هذا العزم وقال له :
"انك مع خليفة تعتقد أنت وأصحابك انه ليس من أهل الخلافة ولو أمرتهم بقتله لقتلوه مستحلين دمه، ولكنك إذا أقمت علويا في الخلافة كان معك من تعتقد أنت وأصحابك  صحة خلافته، فلو أمرهم بقتلك لاستحلوا دمك وقتلوك .."
وقد اشار صاحب " الروضتين في أخبار الدولتين" إلى قيام  الدولة الأيوبية بعد الدولة الفاطمية ولكنه يعلم أن صلاح الدين الأيوبي أذن بالخطبة في يوم الجمعة للخليفة الفاطمي، وانه انما حول الخطبة إلى الخليفة العباسي بعد وفاة العاضد أخر خلفاء الفاطميين، وانه أطاع في ذلك أمر رئيسه نور الدين بن زنكي، ولم يكن  النسب او بطلانه شأن في هذا التغيير، ومرجعه الأهم الى الخلاف بين مذهب الشيعة ومذهب أهل السنة، إذ كان الأيوبيون سنه يشتدون في إتباع مذهب أهل السنة، وزادهم فيه شدة ما كان بين الكرد والديلم من النفور والنزاع، وكان الديلم شيعيين والكرد سنيين، وقد تفاقم النزاع بين وؤسائهم حتى سرى الى الألقاب، فكان بنو بويه من الديلم يتلقبون بألقاب معز الدولة وركن الدولة وعضد الدولة، وكان في الأيوبيون من الكرد يتلقبون بألقاب نجم الدين وعماد الدين وصلاح الدين.
 ومما يلاحظ أن  بعض المؤرخين يحيلون على البعد في كتابتهم عن الدعوة الفاطمية ودعاتها كلما خلطوا بين هذه الدعوة والدعوة الباطنية.
فأبو المعالي الفارسي يقول في كتابه "يبان الأديان" أن ميمونا القداح من مصر، وجملة المؤرخين يقولون عنه انه من فارس، وكل منهم يحيل الى المكان البعيد حيث يتعذر عليه تحقيق الرواية بالسند الصادق في مكان قريب ..

ومما يلاحظ أن بعض المؤرخين يحيلون على البعد في كتابتهم عن الدعوة الفاطمية ودعاتها كلما خلطوا بين هذه الدعوة والدعوة الباطنية. فأبو المعالي الفارسي يقول في كتابه "يبان الأديان" أن ميمونا القداح من مصر، وجملة المؤرخين يقولون عنه انه من فارس، وكل منهم يحيل الى المكان البعيد حيث يتعذر عليه تحقيق الرواية بالسند الصادق في مكان قريب ..

وصح من أجل هذا قول ابن خلدون أن شهادة الشاهدين بالطعن في نسب القوم كانت على السماع، وأصاب المقريزي حين قال عن العلويين انهم :
"على غاية من وفور العدد وجلال القدر عند الشيعة فما الحامل لشيعتهم على الاعراض عنهم والدعاء لابن مجوسي أو لابن يهودي ؟.. هذا ما لا يفعله مخلوق ولو بلغ الغاية في الجهل والسخف"

والمقريزي وابن خلدون قد أرخا للمهدي الفاطمي بعد عهده بزمن طويل - وهما سنيان غير متشيعين - ولكنهما نظرا في مطاعن أعدائه نظرة المؤرخ المحقق فلم يجدا فيها حجة مقبولة وقامت عندهما حجة النسب الصحيح مقام التغليب والترجيح، وقد عاصر المهدي مؤرخ أندلسي  -هو عريب بن سعد- وكان ممن يوالون الأمويين فلم يقدح في نسب الرجل ولم يسمع من امراء آمية في الأندلس قدحا فيه.
وغاية ما ننتهي إليه في هذه المسألة  -مسألة النسب الفاطمي - أن المطاعن لم تمسسه بدليل واحد يعول عليه، وأن مطاردة عبيد الله عند اتجاهه إلى المغرب دليل على ان العباسبين أنفسهم كانوا يخشون دعوته، وان مبايعة الشيعة لآبائه  -سواء شيعة الديلم في بغداد أو شيعة الزيدية خاصة في اليمن- ترجح صدق انتسابهم إلى السيدة فاطمة الزهراء ان لم تؤكده كل التوكيد، وقد كانت دعوى المنكرين عليهم كما قدمنا في صدر هذا الفصل أضعف الدعوات لأنها الدعوى المنتظرة التي تمليها البواعث المتعددة ولا يتخيل أحد ان يتصدى الفاطميون لطلب الخلافة بحق ذلك النسب ثم لا يتعرضون لإنكاره عليهم ما وسع المنكرين أن ينكروه ..

اضف هذا الموضوع الى:
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3309974