ما الذي ميز الفاطميين عن غيرهم ؟
محمد آل زيد * - « خاص: صوت الأخدود » - 4 / 1 / 2006 م - 7:34 م

لو بحثنا فيما يميز الفاطميون عن غيرهم من الخلافات الإسلامية لوجدنا للدولة الفاطمية محاسن جمة ولو أنها لم تنفرد بها وحدها بل شاركتها فيها كثير من الدول ولكن قلما تجدها مجتمعة في دولة واحدة على امتداد فترة حكمها. كفتح المجال للكفاءات من شتى المذاهب والديانات لتبوء أعلى المناصب السياسية طالما فيه تحقيق للمصالح العليا للدولة [1]  وكدفاعهم عن ثغور الإسلام كما نصروا أهل أقريش والشام ضد الروم [2]  مع أنهم تحت حكم خصومهم العباسيين، وكاحترام العلم والعلماء وإطلاق العنان لهم بدون قيود بل وحتى دعمهم والإغداق عليهم[3] . وكتقلد المرأة المناصب السياسية والدينية كالسيدة الحرة [4]  أو لعبها دوراً هاما في صنع القرار كست الملك أخت الحاكم بأمر الله [5]  وأسماء بنت شهاب زوجة علي الصليحي، كما كان للمرأة مجالس لتلقي العلم والتعليم. وكالبدء من حيث ما انتهى أسلافهم فحكموا مصر بمساعدة الكوادر الإخشيدية فلم تقم دولتهم على تصفية سلفهم ولا نبش قبورهم [6]  ومسح هويتهم والعودة إلى نقطة الصفر. ولم يتهموا مسلما بأنه أشد خطراً من اليهود والنصارى حتى لو كان معاديا لهم إذ أنهم احتووا كل الدينات، وتتجلى روعة هذا الموقف حين استعان الأمويون في الأندلس بالروم على الفاطميين في المغرب فسأل المعز لدين الله مستشاريه فقالوا نهادن الروم ونقاتل الأمويون فقال : معاذ الله! ما كنت بادئا إلا بمن بدأ الله عز وجل به، قال تبارك وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ فهم أقرب إلينا [7] .
فهذه خصال قد يكون شاركهم فيها غيرهم إلا أن الميزة التي أراها لم تتوفر في سواهم هي التسامح والحرية الدينية، ونذكر شيء من تسامحهم وعدلهم لكل المذاهب والديانات، ففي عام 362هـ رأى السنيون في مصر أن الشيعة يحتفلون بعيد الغدير فأرادوا الاحتفال بعيد لهم نكاية في الشيعة فقالوا أن 26 من ذي الحجة هو يوم دخل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم غار ثور مع أبي بكر فاتخذوه عيداً وبالغوا في إظهار الزينات ونصب القباب فوجدوا متسع من الحرية خولتهم القيام بذلك ونفس الوضع بالنسبة للأقباط كانوا يحتفلون بكل أعيادهم كالنيروز وما سواه[8]  وتوج الحاكم بأمر الله الدعوة بحرية العبادة بسجل تضمن المبدأ الليبرالي الحر القائل : (لكل مجتهد في دينه اجتهاده، وإلى ربه معاده، وعنده كتابه وعليه حسابه) [9] .
وجعل المالكية يدرسون مذهبهم بدار الحكمة، وعين في رئاسة القضاء بمصر وبلاد الخلافة سنياً، وهو أبن أبي العوام، الذي أستمر في القضاء من سنة 405هـ إلى سنة 411هـ. وحينما قال الناس: "أنه ليس على مذهبك"، قال : "هو ثقة مأمون مصري عارف بالقضاء وبأهل البلد، وما في المصريين من يصلح لهذا الأمر غيره" وكذلك اشتهر عصره بتولي القضاء من قبل مالكية وشافعية. [10] 
ومنع سب أعداء مذهبه ولم يعامل أعدائه بالمثل الذين كانوا يسبون علياً من على منابرهم، سيما العباسيون في العراق، والأمويون في الأندلس. فحينما جاء المعز لمصر، لم يلعن لأعنيه، وانما كتب على سائر الأماكن بمدن مصر ((خير الناس بعد رسول الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام)) وأصدر الحاكم بأمر الله سجل في شهر رمضان سنة 398هـ، وها هو نصه:
"بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله ووليه أبي علي الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، إلى كل حاضر وباد. أما بعد فإن أمير المؤمنين يتلو عليكم أية من كتاب الله المبين، ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ مضى أمس بما فيه، وجاء اليوم بما يقتضيه. الصلاح والإصلاح بين الناس أصلح، والفساد والإفساد بينهم مستقبح؛ إلا من شهد الشهادتين أحق أن تنفك له عروة، ولا توهن له قوة. بحي على خير العمل يؤذن المؤذنون ولا يؤذنون ويخمس المخمسون ويربع المربعون في الصلاة على الجنائز ولا يعترض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون، ولا يشتم السلف ولا يبغي الخلف. تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون. معشر المؤمنين، نحن الأئمة، وأنتم الأمة، عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، إلى الله مرجعكم جميعاً، فينبئكم بما كنتم تعلمون. والحمد لله رب العالمين، وصلواته على رسوله سيدنا محمد وآله الأكرمين"[11] 
بل حتى المذاهب المتفرقة داخل الأديان الأخرى غير الإسلام قد وجدت لها فسحة، فقد حدث خصومة في عهد الأمام الظاهر لإعزاز دين الله بين مذهب "القرائين " ومذهب "الربانيين"، وهما أهم الفرق اليهودية الباقية حتى الآن، وبينهما حرب عنيفة وتكفير، وكان سبب هذه الخصومة أن المشرف اليهودي على قصابي اليهود كان من طائفة الربانيين. وللقرائين في شئون الذبائح مذهب يختلف عن مذهب الربانيين. فمن ذلك أنهم يحرمون ذبح أنثى الحيوان في أثناء حملها بينما يجيز ذلك الربانيون. فحدث احتكاك عنيف بين الطائفتين. وطلب القراءون أن يسمح لهم بحوانيت خاصة للحوم الأنعام والطيور تخضع لتفتيشهم هم ولا تخضع لتفتيش محتسب الربانيين. وأن يسمح لهم بفتح حوانيتهم في أعياد الربانيين التي لا يعترفون هم بمواقيتها حيث كل فرقة لها تقويمها الخاص. وقد استجاب الإمام الظاهر لمطالب القرائين وأصدر مرسوما في 11 من جمادى الأولى سنة 415هـ 1024 ميلادية هذا نصه:
" من تتبع عاداتكم، واستمراركم في تقاليدكم التي أخذتموها عن دياناتكم بدون عائق يقوم من طائفة ضد الأخرى أو قيام معاملة خشنة بينكما، فهذا يدعوا إلى السماح لكل طائفة بأن تعيش وتعبد كما تهوى، مع تمكين كل طائفة في بيع أو شراء ما تشتهي، وأن تحتفل بعيدها كما تريد ومتى ترغب بكامل حريتها ومطلق أرادتها. وأحذر الطائفتين من التدخل أو إحداث شغب أو مضايقة بعضهما. أن الأمان مكفول لكم جميعا. وعليكم عدم تمكين شرير بينكم من الإتيان بشيء ممنوع. وعليكم تجنب المناقشات التي تؤدي إلى سوء العاقبة. وعليكم المحافظة على ذلك. والعقوبة ستحل بكل فرد يتجاوز حدوده ويأتي بأعمال محرمة. فمثل هذا الشخص سيعاقب عقوبة شديدة وسيكون مثالا لغيره حتى لا يحتذيه أحد. كذلك يحرم التدخل في شئون طائفة القرائين في معابدهم الخاصة بهم وحدهم ".
"وهذا الأمر صادر من أمير المؤمنين. فعليكم العمل على تنفيذه واحترامه، وعلى أمير الجيوش –ساعده الله- أن يساعد على تنفيذه، وعلى رؤساء الأقاليم العناية العادلة بالطائفتين، وعلى الحكام إصدار الأوامر الخاصة بوجوب العناية والمحافظة على أفراد الطائفتين والعمل على عدم اضطهادهم".
"وليحترم هذا الأمر بواسطة الذين كتب لهم أن شاء الله"
"حرر في يوم الأربعاء 11 جمادى الأول عام 415 هجرية".
ومن هذا تظهر السماحة في معاملة أهل الديانات الأخرى وتذليل الفرص لاتباعها في مزاولة عباداتهم وأداء شعائرهم. وهذه أظهر سمة من سمات الكمال للدين الإسلامي القويم[12] .
ونتيجة لهذا المناخ أستقطب العلماء والمفكرين والفلاسفة الذين كانوا يقتلون بتهمة الزندقة والإلحاد في بقية الأقطار بعدما وجدوا فضاء الحرية ماداً يديه إليهم بالقبول والترحاب.

[1]  كأبن رزيك الإمامي، وصلاح الدين السني، وأريستس بطريك القدس: أنظر عبد المنعم الماجد، الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه، ص 96.
[2]  القاضي النعمان، المجالس والمسايرات، ص412.
[3]  الداعي إدريس، عيون الأخبار وفنون الآثار السبع السادس، ص 124. أنظر عبد المنعم الماجد، الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه، ص 65، وأبن العبري، تاريخ مختصر الدول، ص316.
[4]  الداعي إدريس، عيون الأخبار وفنون الآثار السبع السابع، ص 173. والسجلات المستنصرية سجل 38.
[5]  أنظر عبد المنعم الماجد، الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه، ص 79 وص 134، ويحيى الانطاكي، صلة تاريخ اوتيخا، ص243، الترجمة العربية.
[6]  كأشراف جعفر بن فرات على الشئون المالية وأبا طاهر الذهلي قاضياً، وعبد السميع العباسي خطيباً، أنظر محمد طقوش، تاريخ الفاطميين في شمال المغرب ومصر وبلاد الشام، ص198.
[7]  للقاضي النعمان، المجالس والمسايرات، ص154، تحقيق محمد اليعلاوي.
[8]  د. محمد جمال الدين سرور، تاريخ الدولة الفاطمية، ص77.
[9]  هانز هالم، الفاطميون وتقاليدهم في التعليم.
[10]  عبد المنعم الماجد، الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه، ص 86-87.
[11]  عبد المنعم الماجد، الحاكم بأمر الله الخليفة المفترى عليه، ص 87-88.
[12]  د. علي عبد الواحد وافي،الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام، ص74-75.
اضف هذا الموضوع الى:
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة
» التعليقات «1»
علي ال دويس
[1]
[ السعوديه - نجران ]: 6 / 2 / 2006 م - 11:58 م
نعم ياعزيزي يتميزون بالتسامح والحريه الدينية
الله يوفقك ولايهينك أخي محمد على المقالة
كاتب صوت الأخدود
المكتبة المقروءة | المكتبة السمعية والبصرية | الربط معنا | استبيانات | معرض الصور
3316159